لم يعد تقليد صوت الإنسان يحتاج إلى مؤد محترف يجيد محاكاته، ولم يعد استغلال صوته يتطلب الحصول على تسجيل سابق له. تكفي اليوم عينات محدودة من الكلام حتى تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي إنشاء صوت اصطناعي قريب من صوت شخص حقيقي، ثم جعله ينطق بما لم يقله، ويغني ما لم يغنه، ويعلن عن منتج لم يوافق على الترويج له.
وهنا يظهر سؤال قانوني يبدو بسيطا، لكنه أكثر تعقيدا مما يبدو:
هل الصوت البشري في ذاته محمي قانونا؟
الإجابة تقتضي أولا التمييز بين أمرين مختلفين: الصوت بوصفه جزءا من هوية الإنسان، والتسجيل الصوتي بوصفه محتوى مثبتا على وسيط.
هذا التمييز هو مفتاح فهم الإشكال كله.
فقد يكون التسجيل محميا، والأداء محميا، ومع ذلك تبقى مسألة مختلفة تماما: هل يستطيع شخص أن يصنع تسجيلا جديدا كليا، لم يسبق لصاحب الصوت أن أداه، ولكنه يبدو للجمهور كما لو كان صادرا عنه؟
في هذه الحالة قد لا نكون أمام نسخ تسجيل، وإنما أمام استنساخ هوية.
الصوت ليس هو التسجيل الصوتي
عندما يؤدي مغن أغنية أو يسجل ممثل أداء صوتيا أو يقدم معلق محتوى مسموعا، فقد تجتمع على التسجيل عدة حقوق مختلفة.
قد توجد حقوق للمؤلف في النص أو اللحن، وحقوق لفنان الأداء، وحقوق لمنتج التسجيل الصوتي، إلى جانب الحقوق التعاقدية الناشئة بين الأطراف.
أما نبرة صوت الشخص ذاتها وطريقته في الكلام وخصائصه الصوتية التي تميز هويته عن غيره، فليست هي التسجيل الصوتي.
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج الذكاء الاصطناعي بالنسبة لقانون الملكية الفكرية: أصبح من الممكن فصل هوية المؤدي عن الأداء الذي قام به فعلا.
فبدلا من أخذ تسجيل لفنان يقول عبارة معينة، يمكن إنشاء تسجيل جديد بصوته يقول عبارة لم يقلها أصلا.
وبدلا من إعادة استخدام أداء ممثل، يمكن إنشاء أداء جديد بالكامل بصوت اصطناعي يشبهه.
ولهذا فإن السؤال التقليدي:
“هل نسخ التسجيل؟”
لم يعد كافيا.
وقد أصبح من الضروري أن نسأل أيضا:
“هل استنسخ الشخص؟”
ماذا يحمي نظام حقوق المؤلف السعودي؟
صدر في المملكة في عام 2026 نظام حقوق المؤلف ليحل محل نظام حماية حقوق المؤلف السابق، وقدم تنظيما أحدث للمصنفات والحقوق المجاورة وحقوق فناني الأداء ومنتجي التسجيلات الصوتية.
ويعرف النظام التسجيل الصوتي بأنه تثبيت الأصوات التي يتكون منها الأداء أو غيرها من الأصوات، ويعد فناني الأداء ومنتجي التسجيلات الصوتية من أصحاب الحقوق، كما تتمتع الحقوق المجاورة بالحماية المقررة في النظام بالقدر الذي يتفق مع طبيعتها.
وأعطت اللائحة التنفيذية لفنان الأداء حقوقا أدبية، من بينها نسبة الأداء إليه والاعتراض على التعديل أو التشويه أو التحريف أو أي مساس بالأداء من شأنه الإضرار بسمعته.
كما يتمتع فنانو الأداء بحقوق مالية واستئثارية على صور من استغلال أدائهم، ويحظى كل من الأداء والتسجيل الصوتي بمدد حماية مالية حددها النظام.
وهذه حماية مهمة، لكنها تكشف لنا في الوقت ذاته حدود المسألة.
فالنظام يحمي الأداء.
ويحمي التسجيل الصوتي.
ويحمي الحقوق المالية والأدبية المرتبطة بهما.
لكن السؤال المختلف هو:
هل يحمي صوت الإنسان نفسه، بمعنى خصائصه الصوتية المميزة، إذا لم ينسخ المعتدي أداء قائما أو تسجيلا قائما، وإنما أنشأ أداء جديدا بصوت اصطناعي يشبه صاحبه؟
هنا لا تبدو الإجابة في نظام حقوق المؤلف وحده مكتملة.
مفارقة الذكاء الاصطناعي في نظام حقوق المؤلف الجديد
من أكثر الأحكام أهمية في النظام الجديد أن المادة السادسة والعشرين أجازت، ضمن شروط محددة، نسخ المصنف الأصلي لأغراض تطوير منتجات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، بشرط أن يكون المصنف منشورا بصورة مشروعة، وأن يكون الحصول على النسخة الأصلية مشروعا، وأن يكون النسخ في حدود ما يلبي الغرض.
كما قرر النظام أن الاستثناءات المتعلقة باستخدام المصنفات تسري على الحقوق المالية لأصحاب الحقوق المجاورة بالقدر الذي لا يتعارض مع طبيعة تلك الحقوق.
وهذه نقطة تستحق عناية خاصة.
فالسماح في ظروف معينة باستخدام مادة محمية في تطوير خوارزمية ذكاء اصطناعي لا يعني بالضرورة منح الحق في تحويل صاحبها إلى نسخة رقمية قابلة للاستغلال.
هناك فرق بين سؤالين:
هل يجوز استخدام المادة في عملية تدريب الخوارزمية؟
و:
هل يجوز استخدام الناتج لاستنساخ هوية صاحب الصوت تجاريا وجعله يؤدي أعمالا جديدة لم يوافق عليها؟
الأول يتعلق في جانب كبير منه بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة وحدود الاستثناءات عليها.
أما الثاني فقد يتعلق بحق آخر مختلف تماما: حق الإنسان في شخصيته وهويته وقيمتها التجارية.
وهذه هي الفجوة التي تكشفها تقنيات الاستنساخ الصوتي بوضوح.
قبل الذكاء الاصطناعي.. القضاء عرف المشكلة
هذه المسألة ليست جديدة تماما.
ففي الولايات المتحدة ظهرت إحدى أهم قضايا الصوت في عام 1988، في قضية Midler v. Ford Motor Co.
رفضت المغنية الأمريكية Bette Midler عرضا للمشاركة في إعلان تجاري. وبدلا من استخدام تسجيل لها، استعان المعلنون بمغنية أخرى، وطلبوا منها محاكاة صوت Midler بصورة قريبة للغاية.
وهنا كانت الحجة شديدة الذكاء:
لم نستخدم تسجيلها.
ولم نستخدم صورتها.
ولم نستخدم اسمها.
لكن المحكمة نظرت إلى المسألة من زاوية أخرى: لقد استخدمتم هويتها.
وقررت أن الصوت المميز لفنان معروف يمكن أن يمثل جزءا من هويته، وأن تعمد تقليده لاستغلال شهرته تجاريا يمكن أن ينشئ مسؤولية قانونية.
وتأكد الاتجاه في قضية Waits v. Frito-Lay عام 1992، عندما استخدم إعلان تجاري مؤديا يقلد صوت المغني Tom Waits.
وكان المغزى القانوني للقضيتين بالغ الأهمية:
عدم نسخ التسجيل لا يعني بالضرورة عدم الاعتداء على الحق.
فالحق محل الاعتداء قد لا يكون حقا في الملف الصوتي، وإنما حقا في الهوية التي يمثلها الصوت.
وقد سبقت هذه القضايا الذكاء الاصطناعي بعقود، لكنها تبدو اليوم كما لو كانت قد كتبت للمشكلة التي نواجهها.
اليابان: هل الصوت جزء من الشخصية؟
في سبتمبر 2026 عادت المسألة بصورة أكثر حداثة أمام القضاء الياباني.
رفع الممثل ومؤدي الأصوات الياباني Kenjiro Tsuda دعوى تتعلق بمقاطع منشورة على TikTok تستخدم صوتا يشبه صوته. وقد لفتت المقاطع انتباه الجمهور إلى درجة أن كثيرا من المستخدمين ربطوا الصوت به.
والأكثر إثارة أن الدفاع لم يكن ببساطة أن الصوت مختلف، وإنما كان من بين ما طرح أن نموذج الذكاء الاصطناعي لم يدرب على صوت الممثل نفسه، بل على صوت شخص آخر يستطيع تقليده.
وهذه واقعة تستحق التأمل.
فإذا دربت خوارزمية على شخص يقلد فنانا، ثم أنتجت صوتا يتعرف الجمهور من خلاله على الفنان، فهل يمكن تفادي المسؤولية بالقول:
“نحن لم نأخذ صوتك أصلا”؟
قررت محكمة طوكيو مبدأ مهما، وهو أن صوت الإنسان، مثل صورته، يمكن أن يكون رمزا لشخصيته، وأن الاستخدام غير المصرح به لصوت مؤد قد يدخل في نطاق الاعتداء على حق الـPublicity عندما تكون للصوت قوة في جذب الجمهور ويكون الاستخدام مستهدفا لاستغلال هذه القوة.
ومع ذلك فإن الدقة واجبة في قراءة الحكم؛ فالمحكمة لم تحكم في النهاية بتعويض عن استنساخ صوت تسودا، ولم تقرر أن المقاطع محل الدعوى أثبت أنها اعتدت على حقه، بل رفضت طلب الحذف لأن المقاطع كانت قد أزيلت بالفعل.
لذلك تكمن أهمية السابقة اليابانية أساسا في الاعتراف بالمبدأ:
الصوت قد يكون جزءا من الشخصية وقيمتها التجارية، وليس مجرد تسجيل صوتي.
الصين: من التسجيل إلى الصوت الاصطناعي
ربما تقدم التجربة الصينية نموذجا أكثر مباشرة.
فالقانون المدني الصيني مد الحماية المقررة لصورة الشخص إلى صوته، وهو ما وفر أساسا تشريعيا واضحا للتعامل مع الاستنساخ الصوتي.
وفي قضية شهيرة أمام محكمة بكين للإنترنت، كانت مؤدية صوت قد قدمت تسجيلات لأغراض محددة، ثم انتهى الأمر باستخدام صوتها في تطوير نموذج يستطيع إنتاج كلام جديد بصوت مشابه لها.
وذهبت المحكمة إلى أن الحماية لا تتوقف على الملف الصوتي الأصلي، وإنما يمكن أن تمتد إلى الصوت الاصطناعي القابل للتعرف على صاحبه.
والفكرة المهمة هنا أن معيار الحماية أصبح متصلا بالسؤال:
هل يستطيع الجمهور من خلال النبرة وطريقة الكلام وخصائص الصوت أن يربط الناتج بالشخص الحقيقي؟
فإذا كان الجواب نعم، فلا يكفي دائما القول إن الملف الناتج جديد ولم يسبق للشخص تسجيله.
وهذا يفتح تحولا مهما في مفهوم الحقوق:
من حماية التسجيل إلى حماية قابلية التعرف على الشخص من صوته.
الهند: الحماية تمتد إلى أدوات الاستنساخ
وفي الهند، ظهرت المسألة بصورة أكثر وضوحا في قضية المغني Arijit Singh.
لم تكن المنازعة مقتصرة على تسجيل بعينه، بل شملت أدوات ذكاء اصطناعي تتيح للمستخدمين تحويل أي صوت إلى صوت يشبه المغني، إلى جانب صور رقمية ومظاهر أخرى مرتبطة بشخصيته.
أصدرت محكمة بومباي العليا أمرا وقتيا لحماية عدد من سمات شخصيته، بما في ذلك صوته وأسلوبه الصوتي وصورته وهيئته، من الاستغلال غير المصرح به.
والأهمية هنا أن الخطر لم يعد في المحتوى النهائي فقط.
بل أصبح السؤال:
هل يمكن أن تكون الأداة التي تمكن الجمهور من استنساخ شخصية إنسان جزءا من الاعتداء ذاته؟
وهو سؤال سيزداد حضوره مع انتشار خدمات تسمح للمستخدم، بضغطة زر، باختيار اسم فنان أو مشهور وإنتاج أي كلام بصوت يشبهه.
فرنسا: الصوت من سمات الشخصية
وفي اتجاه قريب، أكدت محكمة النقض الفرنسية في 2026 أن الصوت، شأنه شأن الصورة، يعد من السمات الرئيسية لشخصية الإنسان، مع إخضاع حمايته للموازنة اللازمة مع الحقوق والحريات الأخرى، وفي مقدمتها حرية التعبير.
وهنا تظهر مدرسة قانونية مختلفة عن نموذج حقوق المؤلف.
فالحماية لا تنشأ لأن الصوت “مصنف”، وإنما لأن الصوت صفة من صفات الشخص نفسه.
وهذا التمييز بالغ الأهمية.
فحق المؤلف يحمي العمل.
أما حقوق الشخصية فتحمي الإنسان.
Right of Publicity.. ماذا يعني؟
لفهم الإشكال الحديث بصورة أدق، ينبغي التوقف عند مفهوم Right of Publicity.
ويمكن وصفه بأنه حق الشخص في السيطرة على الاستغلال التجاري لهويته.
والهوية هنا قد تتجسد في:
الاسم، والصورة، والصوت، والهيئة، والملامح، والتوقيع، وأحيانا غير ذلك من السمات التي تجعل الجمهور يتعرف على الشخص.
وهذا الحق لا يطابق الخصوصية.
فالخصوصية قد تحمي شخصا من كشف معلوماته أو استخدام بياناته دون أساس مشروع.
أما الـPublicity فيتعامل مع مسألة أخرى:
من يملك القيمة الاقتصادية للشخصية؟
ولتوضيح ذلك، لنفترض أن رياضيا مشهورا يتقاضى مليون ريال مقابل ظهوره في إعلان.
رفض عرض شركة معينة.
فقامت الشركة بإنشاء شخصية رقمية تشبهه وصوتا اصطناعيا مطابقا تقريبا لصوته، ثم جعلته يروج لمنتجها.
لم تستخدم الشركة صورة أصلية له.
ولم تنسخ تسجيلا صوتيا محددا.
ولم تشهر به.
ولم تكشف سرا من حياته.
لكنها حصلت مجانا على الشيء الذي كان سيبيع لها بمليون ريال:
قيمته التجارية كشخصية.
هنا تحديدا تظهر وظيفة Right of Publicity.
وهل يوجد في السعودية Right of Publicity؟
لا يظهر في التشريعات السعودية حتى الآن حق مستقل بهذا الاسم أو بنموذج تشريعي مماثل لبعض الولايات الأمريكية يمنح الشخص صراحة حقا حصريا عاما في القيمة التجارية لاسمه وصورته وصوته وهويته.
لكن ذلك لا يعني أن الاستخدام غير المصرح به للصوت يقع في فراغ قانوني.
بل يمكن أن تتداخل بشأنه عدة أنظمة وأسس قانونية، بحسب الواقعة.
أولا: حقوق المؤلف والحقوق المجاورة
إذا استخدم المعتدي تسجيلا قائما أو أداء قائما، فإن نظام حقوق المؤلف يوفر أساسا مهما للحماية.
لفنان الأداء حقوق على أدائه، ولمنتج التسجيل الصوتي حقوق على التسجيل، كما توجد حقوق أدبية ومالية تختلف بحسب طبيعة الحق.
لكن كلما ابتعدت الواقعة عن الأداء الأصلي والتسجيل الأصلي، واتجهت نحو إنشاء صوت جديد اصطناعيا، أصبح الاعتماد على حقوق المؤلف وحدها أكثر صعوبة.
فالقول بأن:
“هذا ليس تسجيلك، وإنما صوت جديد يشبهك”
قد يكون مهما في تحليل حق التسجيل، لكنه لا يحسم مسألة الهوية الصوتية.
ثانيا: حماية البيانات الشخصية
قد يوفر نظام حماية البيانات الشخصية أساسا آخر للحماية.
فالتسجيل الصوتي الذي يمكن ربطه بشخص معين قد يمثل بيانات شخصية بحسب طريقة استخدامه والسياق الذي يعالج فيه.
أما إذا عولجت الخصائص الصوتية بهدف التعرف على الشخص أو التحقق من هويته، فقد تدخل المعالجة في نطاق البيانات الحيوية بحسب طبيعتها والغرض منها.
وهذا يجعل مرحلة تدريب النموذج ذات أهمية قانونية مستقلة.
فقد نحتاج قبل أن نسأل عن مشروعية الصوت الاصطناعي الناتج إلى أن نسأل:
كيف حصل مطور النموذج على التسجيلات؟
وعلى أي أساس تمت معالجتها؟
ولأي غرض جمعت أصلا؟
وهل كان الغرض الأصلي يشمل تدريب نموذج يستطيع تقليد صاحب الصوت؟
لكن حماية البيانات أيضا لا تحل كل المشكلة.
فقد يكون الصوت منشورا علنا، أو تكون عملية الاستنساخ قد تمت بطريقة لا تعتمد مباشرة على بيانات حساسة للشخص، ومع ذلك يبقى استغلال هويته التجارية قائما.
ثالثا: المسؤولية المدنية
هنا تظهر أهمية القواعد العامة في نظام المعاملات المدنية.
فالخطأ الذي يلحق ضررا بالغير يرتب المسؤولية والتعويض متى اكتملت أركانه.
ويمكن تصور تطبيق ذلك على الاستخدام غير المشروع للهوية الصوتية إذا ترتب عليه ضرر مالي أو معنوي.
وتزداد قوة المطالبة عندما يكون لصاحب الصوت قيمة تجارية قابلة للإثبات.
فالممثل أو الرياضي أو الإعلامي أو صانع المحتوى الذي اعتاد منح تراخيص تجارية لاستخدام شخصيته يمكنه أن يستدل، بحسب ظروف القضية، بأمور مثل:
المقابل المعتاد للترخيص، والعقود السابقة، وقيمة الحملات الإعلانية، ومدة الاستخدام، وحجم الانتشار، والأرباح المتحققة، والفرص التي فاتت عليه بسبب الاستغلال غير المصرح به.
وهنا ننتقل من سؤال:
هل تضررت سمعة الشخص؟
إلى سؤال آخر:
هل استولى الغير على قيمة اقتصادية تخصه دون مقابل؟
وهذه نقطة مركزية في أي تطور مستقبلي لحقوق الشخصية في المملكة.
رابعا: الجرائم المعلوماتية
إذا استخدم الصوت المستنسخ في التشهير أو الاحتيال أو الإضرار بالشخص أو المساس بحياته الخاصة، فقد تتداخل أحكام نظام مكافحة جرائم المعلوماتية وغيرها من النصوص الجزائية بحسب طبيعة السلوك.
وتزداد المسألة خطورة عندما يستخدم الصوت الاصطناعي في نسبة أقوال إلى الشخص لم يقلها، كتصريح مالي مزيف، أو اعتراف، أو رسالة احتيالية، أو محتوى يمس سمعته.
وهنا لم تعد المسألة مجرد حق ملكية فكرية، بل قد نكون أمام اعتداء متعدد الأوصاف النظامية.
وهل العلامة التجارية تحمي الصوت؟
يعترف قانون العلامات التجارية الخليجي بإمكانية تسجيل العلامات الصوتية.
وهذا يضيف وسيلة مهمة لحماية بعض الهويات الصوتية التجارية.
لكن ينبغي عدم الخلط بين العلامة الصوتية وصوت الإنسان.
فالعلامة الصوتية تؤدي وظيفة تجارية محددة: تمييز سلع أو خدمات منشأة عن غيرها.
وقد تكون لحنا قصيرا، أو مؤثرا صوتيا، أو طريقة مميزة في نطق عبارة معينة.
لكن تسجيل علامة صوتية لا يعني بالضرورة احتكار الإنسان لكل خصائص صوته وفي جميع المجالات.
فالعلامة التجارية تحمي الصوت باعتباره مؤشرا على المصدر التجاري.
أما Rights of Personality أو Right of Publicity فتحمي الصوت باعتباره جزءا من هوية الإنسان.
وهما مجالان قد يلتقيان أحيانا، لكن أحدهما لا يغني عن الآخر.
الموقف الخليجي
تكشف المقارنة الخليجية عن تفاوت يستحق الاهتمام.
ففي الإمارات يوجد أساس عام صريح في قانون المعاملات المدنية لحماية الحقوق الملازمة للشخصية، بما يمنح من وقع عليه اعتداء غير مشروع في أحد هذه الحقوق إمكانية طلب وقف الاعتداء والتعويض.
ومثل هذا النص يتميز بمرونته؛ لأنه لا يحصر الشخصية في صورة أو اسم بعينه، الأمر الذي يسمح من حيث المبدأ بتطوير الحماية قضائيا لتشمل السمات الحديثة للهوية، ومنها الصوت والهوية الرقمية.
وفي عمان نجد كذلك نصا عاما على حماية الحقوق الملازمة للشخصية وإمكانية طلب وقف الاعتداء والتعويض.
أما في عدد من دول الخليج الأخرى، ومنها قطر والكويت والبحرين، فتوجد حماية واضحة للصورة والخصوصية وغيرها من الحقوق، وإن كان مدى بناء حق مستقل شامل في “الهوية التجارية للشخص” يختلف بحسب الإطار التشريعي لكل دولة.
ومن هنا يمكن ملاحظة مفارقة خليجية عامة:
التشريعات كانت أكثر استعدادا تاريخيا لحماية صورة الإنسان من استنساخ صوته، لأن التقنية جعلت الصورة قابلة للاستغلال قبل أن تجعل الصوت قابلا للاستنساخ بهذه السهولة.
لكن الذكاء الاصطناعي غيّر الواقع.
وأصبح الصوت اليوم من أكثر عناصر الهوية عرضة للاستغلال.
متى يكون استنساخ الصوت اعتداء؟
ليس كل تشابه صوتي اعتداء، وليس كل تقليد محظورا.
وإلا تحولت حماية الشخصية إلى احتكار مبالغ فيه للتعبير البشري.
ومن المفيد عند تقييم أي واقعة تتعلق بصوت مستنسخ أن ننظر إلى مجموعة من المعايير.
هل يمكن التعرف على الشخص من الصوت؟
كلما كان الصوت يجعل المستمع العادي يربطه بشخص محدد، ازدادت أهمية الحماية.
أما مجرد التشابه في العمر أو اللهجة أو طبقة الصوت فلا ينبغي أن يكون كافيا في ذاته.
هل كان التقليد متعمدا؟
هناك فرق بين صوتين متشابهين بطبيعتهما وبين تصميم نموذج بقصد الوصول إلى صوت شخص معين.
وقد يكون من الأدلة المهمة في ذلك اسم النموذج، وطريقة تسويقه، والبيانات المستخدمة في التدريب، وتعليقات المستخدمين، والتعليمات الموجهة للنظام.
ما الغرض من الاستخدام؟
استخدام الصوت في إعلان تجاري يختلف عن استخدامه في عمل نقدي أو ساخر أو تعليمي أو إخباري.
فالاستغلال التجاري للهوية هو المجال الذي تظهر فيه بصورة أوضح فكرة Right of Publicity.
هل اعتقد الجمهور أن الشخص وافق على الاستخدام؟
إذا كان الناتج يوحي بأن الشخص نفسه هو المتحدث أو بأنه أيد منتجا أو خدمة أو فكرة، ازدادت خطورة الاعتداء.
هل استخدم تسجيل أصلي؟
إذا استخدم تسجيل قائم، فإن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة تصبح أكثر حضورا.
أما إذا كان الصوت مولدا بالكامل، فقد تنتقل القضية بصورة أكبر إلى حقوق الشخصية والبيانات والمسؤولية المدنية.
هل توجد موافقة؟
وإذا وجدت، فالسؤال الأهم:
موافقة على ماذا؟
فالترخيص باستخدام تسجيل معين لا يعني بالضرورة الترخيص بتحويل صاحب الصوت إلى نموذج رقمي يستطيع إنتاج عدد غير محدود من التسجيلات الجديدة.
العقود ستكون ساحة النزاع القادمة
من المرجح أن تصبح هذه المسألة من أهم موضوعات عقود الفنانين والممثلين والمذيعين والمعلقين والمؤثرين وصناع المحتوى.
فالعقود التقليدية اعتادت النص على حق تسجيل الأداء وبثه وإعادة نشره واستغلاله.
لكن الذكاء الاصطناعي يفرض أسئلة لم تكن موجودة عند صياغة كثير من هذه العقود:
هل يشمل الترخيص استخدام التسجيل في تدريب نموذج ذكاء اصطناعي؟
هل يجوز الاحتفاظ بالنموذج بعد انتهاء العقد؟
هل يجوز إنتاج أداءات جديدة لم يؤدها الفنان أصلا؟
هل يجوز نقل النموذج إلى طرف ثالث؟
هل يجوز استخدامه بلغات لم يتحدث بها الفنان؟
هل المقابل المتفق عليه عن التسجيل الأصلي يشمل كل هذه الاستخدامات؟
وهل يملك صاحب العمل نموذجا صوتيا للعامل لمجرد أن التسجيل الأصلي تم أثناء العمل؟
هذه الأسئلة تستدعي مستقبلا صياغة أكثر دقة للعقود.
ومن الأنسب أن تفصل العقود بوضوح بين:
حق تسجيل الأداء، وحق استغلال التسجيل، وحق استخدام التسجيل في تدريب الذكاء الاصطناعي، وحق إنشاء نموذج صوتي، وحق توليد أداءات جديدة بواسطة النموذج، وحق الترخيص بذلك للغير.
فالموافقة على أن تسجل صوتي اليوم ليست بالضرورة موافقة على أن تستمر في جعلي أتكلم رقميا بعد سنوات.
من يملك النسخة الرقمية من الإنسان؟
تكشف مسألة الصوت عن سؤال أكبر بكثير من حقوق المؤلف.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع اليوم إعادة إنشاء عناصر متعددة من شخصية الإنسان:
وجهه.
صوته.
حركاته.
طريقة حديثه.
وفي بعض الحالات حتى أسلوب أدائه.
وقد لا ينسخ البرنامج أي صورة بعينها أو تسجيل بعينه عند إنتاج المحتوى النهائي.
ومع ذلك فقد يكون الناتج، بالنسبة إلى الجمهور، هو الشخص ذاته.
وهنا يبدو أن الحدود التقليدية بين حقوق المؤلف والخصوصية وحماية البيانات وحقوق الشخصية بدأت تضيق أمام واقع تقني جديد.
فالملكية الفكرية التقليدية كانت تسأل غالبا:
من يملك العمل؟
أما الذكاء الاصطناعي فيفرض سؤالا آخر:
من يملك الحق في النسخة الرقمية من الإنسان؟
هل يحتاج النظام السعودي إلى حماية أوضح للهوية الشخصية؟
منظومة الحماية السعودية الحالية توفر أدوات مهمة: حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وحماية البيانات الشخصية، والمسؤولية المدنية، والجرائم المعلوماتية، والعلامات التجارية، إضافة إلى الأطر التنظيمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق.
لكن استنساخ الصوت يكشف منطقة تستحق مزيدا من الوضوح التشريعي:
حق الشخص في منع الاستغلال التجاري غير المصرح به لهويته، حتى إذا لم ينسخ المعتدي مصنفا أو تسجيلا محميا.
وقد يكون من المناسب مستقبلا أن تعترف التشريعات بصورة أكثر وضوحا بحق الفرد في العناصر القابلة للتعرف من هويته، ومنها:
الاسم، والصورة، والصوت، والهيئة، والسمات المميزة، والمحاكاة الاصطناعية التي يستطيع الجمهور بصورة معقولة نسبتها إليه.
على أن تقابل ذلك استثناءات واضحة تحفظ حرية التعبير والأخبار والنقد والسخرية والأعمال الفنية والاستخدامات ذات المصلحة العامة.
فالهدف ليس منح الإنسان احتكارا لكل من يشبهه أو يشبه صوته.
وإنما منع طرف آخر من الاستيلاء عمدا على هويته وتحويلها إلى أصل تجاري دون موافقته.
من حماية التسجيل إلى حماية الإنسان
ربما كان الاعتقاد التقليدي أن الصوت مسألة تدخل في حقوق المؤلف لأننا اعتدنا التعامل معه من خلال التسجيلات.
لكن التطورات القضائية والتقنية تكشف أن الأمر أعمق من ذلك.
يمكن أن يكون التسجيل محميا بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
ويمكن أن تكون البيانات الصوتية محمية بقواعد البيانات الشخصية.
ويمكن أن يؤدي الاستخدام إلى مسؤولية مدنية أو جزائية.
لكن يبقى فوق ذلك كله سؤال عن الصوت باعتباره جزءا من الشخصية الإنسانية ذاتها وقيمتها الاقتصادية.
وقد بدأت عدة أنظمة قضائية حول العالم الإجابة عن هذا السؤال: الولايات المتحدة من خلال قضايا تقليد أصوات الفنانين وحقوق الـPublicity، والصين من خلال حماية الصوت الاصطناعي القابل للتعرف، والهند من خلال مواجهة نماذج وأدوات استنساخ صوت المشاهير، وفرنسا من خلال اعتبار الصوت من السمات الرئيسية للشخصية، واليابان حديثا من خلال إدخال الصوت في نطاق الحماية المرتبطة بحق الـPublicity.
وفي السعودية، أصبح النقاش أكثر إلحاحا بعد صدور نظام حقوق المؤلف الجديد الذي نظم الحقوق المجاورة وتعامل صراحة مع استخدام المصنفات في تطوير الذكاء الاصطناعي.
إلا أن الفرق يجب أن يبقى واضحا:
إجازة استخدام مادة في تطوير خوارزمية، في الحدود التي يسمح بها النظام، ليست بذاتها إجازة لاستنساخ هوية صاحبها واستغلالها تجاريا.
وهذه قد تكون من أهم المسائل التي سيحتاج القضاء والتشريع والعقود إلى رسم حدودها خلال السنوات المقبلة.
فحين يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجعلك تقول ما لم تقله، وتغني ما لم تغنه، وتعلن عما لم توافق عليه، لم يعد السؤال القانوني الأهم:
من يملك التسجيل؟
بل أصبح السؤال:
من يملك الحق في أن يكون هذا الصوت؟





