قراءة قانونية في نظام حقوق المؤلف السعودي الجديد، وحقوق الأداء العلني، ومستقبل الإدارة الجماعية للحقوق
لم تعد الموسيقى التي يسمعها مرتادو المقاهي والمطاعم، أو المباريات التي تعرض على شاشاتها، مجرد وسائل ترفيهية تقدمها المنشآت لعملائها، بل أصبحت تثير تساؤلات قانونية واقتصادية متزايدة حول ملكية المحتوى، وحدود استخدامه التجاري، وحقوق مؤلفيه ومنتجيه والجهات المرخص لها باستغلاله.
فهل يحق لصاحب المقهى تشغيل الأغاني بمجرد اشتراكه في إحدى المنصات الموسيقية؟ وهل يتيح الاشتراك في القنوات الرياضية عرض المباريات أمام الجمهور؟ وهل يجوز المطالبة بمقابل مالي عن هذه الاستخدامات، حتى وإن لم تفرض المنشأة رسوما مستقلة للاستماع أو المشاهدة؟ والأهم، من يملك حق تحصيل هذا المقابل، وكيف يمكن تقديره؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة بعد صدور نظام حقوق المؤلف السعودي الجديد في فبراير 2026، ولائحته التنفيذية في يوليو من العام نفسه، إلى جانب توجه الهيئة السعودية للملكية الفكرية نحو تنظيم نشاط الإدارة الجماعية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد فرض رسوم جديدة على الأنشطة التجارية، بل بإعادة تنظيم العلاقة الاقتصادية بين أصحاب الحقوق الفكرية والمنشآت التي تستفيد من مصنفاتهم، في تحول قد يؤسس لسوق واسعة للتراخيص والعوائد الفكرية في المملكة.
أولا: هل نشأ الحق في المقابل المالي حديثا؟
من المهم ابتداء تصحيح تصور قد ينشأ لدى بعض أصحاب المنشآت، وهو أن حماية الموسيقى المعروضة في الأماكن التجارية أمر استحدثه النظام الجديد.
فالحقيقة أن الإطار النظامي السابق كان يتضمن حماية للأداء العلني، بل إن اللائحة التنفيذية لنظام حماية حقوق المؤلف السابق، الصادرة عام 2022، نصت في مادتها الثالثة عشرة صراحة على أن إذاعة المصنف للجمهور دون الحصول على ترخيص مسبق من أصحاب الحق، بما في ذلك استخدام الموسيقى والفيديو والبث الفضائي في المحلات التجارية والمطاعم والفنادق، قد يشكل تعديا على الحقوق المحمية.
غير أن التطور الأبرز اليوم لا يكمن في مجرد تقرير وجود الحق، وإنما في توسيع وضوح الحقوق المالية والحقوق المجاورة، وتنظيم المطالبة بالمكافأة العادلة، والتمهيد لإنشاء آليات للإدارة الجماعية والتحصيل والتوزيع.
وقد نشر نظام حقوق المؤلف الجديد في 13 فبراير 2026، وبدأ نفاذه بعد مضي 180 يوما من النشر، وحل محل النظام السابق. وبذلك أصبح النقاش يتعلق بتطبيق إطار تشريعي جديد نافذ، وليس بمجرد مقترحات مستقبلية.
ثانيا: متى يصبح تشغيل الموسيقى أداء علنيا؟
قرر النظام الجديد في مادته الأولى تعريفا واسعا للأداء العلني، يشمل إيصال المصنف للجمهور بأي وسيلة في مكان يمكن أن يوجد فيه أشخاص من غير أفراد الأسرة والأصدقاء.
كما قررت المادة التاسعة للمؤلف حقا استئثاريا في أداء مصنفه علنا أو التصريح للغير بذلك.
وعلى هذا الأساس، فإن تشغيل أغنية عبر سماعات داخل مقهى يختلف قانونيا عن الاستماع إلى الأغنية ذاتها في المنزل.
فالأول قد يمثل استغلالا للمصنف في بيئة تجارية تستفيد من الموسيقى في تحسين تجربة العملاء وإطالة مدة بقائهم، ولو كانت الموسيقى مجرد خلفية صوتية، بينما الثاني يدخل في نطاق الاستخدام الشخصي، متى استوفى شروطه النظامية.
ولا يشترط لقيام الطابع التجاري أن يبيع المقهى تذاكر للاستماع إلى الموسيقى، أو أن يضيف إلى فاتورة العميل مقابلا مستقلا عنها؛ إذ يمكن أن تتحقق المنفعة الاقتصادية بصورة غير مباشرة.
ومع ذلك، فإن توصيف الاستخدام بأنه أداء علني لا يعني تلقائيا استحقاق أي جهة تطالب المنشأة بمبلغ مالي؛ إذ يجب التحقق من الحق المحمي، وصاحب الصفة في المطالبة، ونطاق الترخيص، وأساس احتساب المقابل.
ثالثا: الأغنية الواحدة قد تتضمن حقوقا لأكثر من طرف
من أبرز الإشكاليات القانونية في استغلال الأعمال الموسيقية أن الأغنية ليست بالضرورة حقا فكريا واحدا، بل قد تتضمن مجموعة من الحقوق المتداخلة.
فهناك حق مؤلف الكلمات، وحق الملحن في المصنف الموسيقي، وحقوق فنان الأداء الذي أدى الأغنية، وحقوق منتج التسجيل الصوتي الذي تولى إنتاج التسجيل واستغلاله.
وهنا يبرز الفرق بين حقوق المؤلف والحقوق المجاورة؛ فالأولى تحمي المصنف ذاته، بينما تمنح الثانية حماية مستقلة للأداء والتسجيلات الصوتية وأنشطة البث، وفقا لطبيعة كل حق.
وقد عالجت المادة الحادية عشرة من اللائحة التنفيذية الجديدة مسألة بالغة الأهمية، حين قررت لفناني الأداء ومنتجي التسجيلات الصوتية حقا مشتركا في مكافأة عادلة واحدة مقابل الانتفاع المباشر أو غير المباشر بالتسجيلات الصوتية المنشورة لأغراض تجارية، عند بثها أو نقلها إلى الجمهور.
وأجازت المادة لهؤلاء الاتفاق على من يتولى المطالبة بالمكافأة، وتنظيم الترخيص، وتحديد آلية توزيع المبالغ المستحقة بينهم، وتعيين وكيل لهذا الغرض.
لكن المكافأة الواحدة هنا تتعلق بالحق المشترك المنصوص عليه في المادة، ولا تعني سقوط حقوق المؤلفين الآخرين.
بل إن المادة الحادية والعشرين من اللائحة قررت صراحة أن الترخيص باستغلال التسجيل الصوتي لا يغني عن الحصول على التراخيص اللازمة من أصحاب الحقوق الآخرين، متى تضمن التسجيل أداء أو مصنفا محميا.
وهذا التعدد يثير إشكالية عملية مهمة: هل يحتاج صاحب المقهى إلى تراخيص متعددة لتشغيل أغنية واحدة؟
من الناحية القانونية، يجب أن تكون الحقوق اللازمة للاستغلال مشمولة بالتراخيص، لكن ليس من الضروري أن يتفاوض مستخدم المصنف مع كل صاحب حق بصورة منفردة، متى أمكن الحصول على ترخيص شامل من جهة تملك الصلاحية لتمثيلهم.
وهنا تتضح أهمية الإدارة الجماعية للحقوق.
رابعا: هل اشتراك Spotify أو القنوات التلفزيونية يكفي؟
من أكثر المفاهيم شيوعا الاعتقاد بأن الحصول على المحتوى بصورة مشروعة يخول صاحبه استعماله بجميع الطرق.
فقد يشترك صاحب مطعم في منصة موسيقية مدفوعة، ثم يشغل محتواها يوميا أمام العملاء، معتقدا أن المقابل الشهري يمنحه حق الاستخدام التجاري.
غير أن الاشتراك يمنح المستفيد الحقوق المحددة في شروط الخدمة، ولا ينقل إليه تلقائيا حقوق الأداء العلني.
ولعل المثال الواضح على ذلك ما تقرره منصة Spotify في شروطها، من أن خدماتها مخصصة للاستخدام الشخصي غير التجاري، وأن الاشتراك العادي لا يجيز تشغيل محتواها علنا في المطاعم والمتاجر والمنشآت التجارية.
وينطبق المبدأ ذاته، من حيث ضرورة التحقق من نطاق الترخيص، على المحتوى التلفزيوني والاشتراكات الرياضية.
فقد يكون اشتراك القناة صالحا للمشاهدة المنزلية دون أن يشمل العرض التجاري أمام جمهور المنشأة. وفي المقابل، قد توفر الجهة صاحبة الحقوق اشتراكا تجاريا يجيز العرض وفق شروط محددة.
ومن ثم، ينبغي التمييز بين مشروعية الحصول على إشارة البث، ومشروعية استخدامها في الأماكن العامة، ومدى شمول الترخيص للحقوق ذات العلاقة.
خامسا: عرض المباريات الرياضية.. هل يخضع للأحكام ذاتها؟
يمثل عرض المباريات الرياضية إحدى المسائل الأكثر تعقيدا، بسبب تعدد الحقوق المرتبطة بالإنتاج والنقل التلفزيوني.
فالمباراة الرياضية بوصفها منافسة بين فريقين ليست بالضرورة مصنفا مبتكرا يخضع في ذاته للحماية بموجب حقوق المؤلف، لكن ذلك لا ينفي الحماية عن عناصر أخرى مرتبطة بها، مثل الإنتاج التلفزيوني، والتصوير والإخراج، والرسومات الفنية والتعليق، وحقوق هيئات البث.
وقد نصت المادة الثانية عشرة من اللائحة التنفيذية الجديدة على تمتع هيئات البث بحقوق استئثارية تشمل إعادة بث برامجها، وتثبيتها ونسخها، وإتاحة مواد بثها التلفزيوني للجمهور في الأماكن العامة التي يكون دخولها بمقابل مالي.
وهذا النص يستدعي قراءة دقيقة؛ إذ لا يصح التوسع في تفسيره باعتبار كل عرض تلفزيوني داخل مطعم أو مقهى اعتداء على هذا الحق تحديدا، دون النظر إلى شرط المقابل المالي للدخول، وطبيعة الاستخدام، والحقوق الأخرى ذات الصلة.
فالمقهى الذي يعرض مباراة على شاشة عادية لعملائه دون فرض رسوم دخول، ليس بالضرورة في المركز النظامي ذاته لمن ينظم عرضا جماهيريا مقابل تذاكر.
غير أن انتفاء رسم الدخول لا يمنح المنشأة إعفاء عاما من جميع الحقوق؛ إذ قد تظل مقيدة بشروط الاشتراك التجاري وحقوق المصنفات المعروضة، كما يختلف الحكم إذا قامت بإعادة توزيع إشارة القناة أو بثها بصورة مستقلة.
ومن هنا، فإن الترخيص بعرض المباريات ينبغي أن يعالج بوصفه مسألة متعددة الحقوق، لا بوصفه مجرد امتلاك جهاز استقبال أو دفع قيمة اشتراك تلفزيوني.
سادسا: الإدارة الجماعية.. من يملك حق التحصيل؟
إذا كانت الحقوق موزعة بين آلاف المؤلفين والملحنين والفنانين والمنتجين، وإذا كانت المنشآت التجارية التي تستخدم أعمالهم بالآلاف، فإن الاعتماد على التعاقد الفردي يصبح مكلفا وصعب التطبيق.
ولهذا تبنت أسواق عديدة نموذج الإدارة الجماعية لحقوق المؤلف، المعروف دوليا باسم Collective Rights Management.
وتقوم فكرته على تمكين منظمة متخصصة من إدارة الحقوق المالية نيابة عن أصحابها، بما يشمل التفاوض على التراخيص، وتحصيل المقابل من المستخدمين، ومتابعة الاستخدامات، وتوزيع الإيرادات على المستحقين.
وقد أجازت المادة الحادية والأربعون من نظام حقوق المؤلف السعودي لأصحاب الحقوق توكيل جمعيات أو شركات أو جهات أخرى لإدارة كل حقوقهم المالية أو بعضها.
وفي مارس 2026، طرحت الهيئة السعودية للملكية الفكرية مشروع لائحة لتنظيم ممارسة نشاط الإدارة الجماعية لحقوق المؤلف وأصحاب الحقوق المجاورة، ثم ناقش مجلس إدارة الهيئة مشروع اللائحة التنظيمية في اجتماعه المنعقد بتاريخ 28 سبتمبر 2026.
ويشكل ذلك مؤشرا واضحا على الاتجاه نحو بناء إطار مؤسسي لهذا النشاط في المملكة، دون أن يعني أن مجرد مناقشة المشروع يمنح جهة بعينها حق تحصيل مقابل من جميع المنشآت.
وهنا تبرز مسألة جوهرية، وهي أن الجهة التي تطالب بالمقابل المالي ينبغي أن تثبت صفتها وحدود الحقوق التي تديرها.
فلا يكفي أن تقدم نفسها بوصفها جهة لإدارة حقوق المؤلف، وإنما يجب التحقق من الأساس النظامي لمزاولتها النشاط، ومن تفويض أصحاب الحقوق لها، ومن أن المصنفات المستخدمة تدخل بالفعل ضمن نطاق إدارتها.
كما يجب التمييز بين المقابل الذي يدفعه المستخدم لصاحب الحق أو ممثله لقاء الترخيص، وبين الرسوم الحكومية المتعلقة بإصدار التراخيص أو تنظيم النشاط.
سابعا: كيف يمكن تحديد المقابل المالي بصورة عادلة؟
لعل هذا هو التحدي الأكثر تأثيرا في نجاح تطبيق منظومة التراخيص الجماعية.
فهل يعامل المقهى الصغير الذي تبلغ مساحته خمسين مترا مربعا بالطريقة ذاتها التي يعامل بها فندق كبير؟ وهل يستوي مطعم يشغل موسيقى خلفية لساعات محدودة مع منشأة يعتمد نشاطها على العروض الموسيقية المستمرة؟ وهل يتحدد المقابل بعدد السماعات، أم بمساحة المنشأة، أم بعدد الزوار، أم بحجم الإيرادات؟
لا توجد، فيما أمكن التحقق منه حتى أكتوبر 2026، تعرفة سعودية عامة وموحدة منشورة لكل هذه الاستخدامات.
غير أن التجارب الدولية تقدم نماذج مختلفة لتقدير العوائد، منها احتساب المقابل وفقا لطبيعة النشاط، أو مساحة الموقع، أو الطاقة الاستيعابية، أو حجم الاستخدام، أو الإيرادات المتصلة باستغلال المصنفات.
وفي تقديري، فإن التنظيم الأمثل للسوق السعودية ينبغي أن يقوم على عدد من الضوابط الأساسية:
أولها: التناسب الاقتصادي. بحيث يراعي المقابل طبيعة النشاط وحجم المنشأة ومدى استفادتها الفعلية من المصنفات.
ثانيها: منع الازدواجية غير المبررة. فلا يجوز أن تتحول إدارة الحقوق إلى وسيلة لتحصيل المقابل ذاته أكثر من مرة عن الحق نفسه، مع المحافظة على استقلال الحقوق الأخرى المستحقة.
ثالثها: الشفافية. وذلك بإعلان أسس الاحتساب ونطاق الحقوق المشمولة بالترخيص، وتوفير وسائل للاعتراض على المطالبات ومراجعتها.
رابعها: عدالة توزيع الإيرادات. من خلال وجود آليات موثوقة لقياس استخدام المصنفات وتحديد أصحابها، بدلا من توزيع العوائد وفق تقديرات لا تعكس الاستغلال الفعلي.
خامسها: حماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة. فلا ينبغي أن يؤدي ارتفاع تكاليف الامتثال إلى عزوفها عن الحصول على التراخيص النظامية.
وتتأكد أهمية هذه الضوابط في ظل التحول الرقمي، إذ أصبحت تقنيات التعرف على المقاطع الصوتية وتحليل قوائم التشغيل قادرة على تقديم بيانات تساعد في قياس الاستخدام وتوزيع المستحقات بدرجة أعلى من الدقة.
ثامنا: هل يمكن المطالبة بتعويض عن التشغيل غير المرخص؟
نعم، متى توافرت أركان المطالبة النظامية.
فقد جرمت المادة السابعة والأربعون من النظام الجديد استغلال الحقوق المحمية لأغراض تجارية دون إذن أصحابها، وقررت عقوبات قد تصل إلى السجن مدة سنة والغرامة بمليون ريال أو بإحدى العقوبتين.
كما أجازت المادة الحادية والخمسون لصاحب الحق الذي أصابه ضرر مباشر ناشئ عن التعدي المطالبة بوقفه والتعويض عن الأضرار، بما في ذلك الأرباح التي جناها المتعدي من التعدي.
ولا يعني ذلك أن كل تشغيل غير مرخص للموسيقى يستوجب تلقائيا الغرامة القصوى أو تعويضا بقيمة معينة؛ فالمسؤولية تقتضي إثبات المخالفة وتوافر شروطها، كما أن التعويض يخضع لإثبات الحق والضرر والعلاقة السببية، ولتقدير المحكمة المختصة.
وهنا يمكن أن يثور نزاع حول مقدار التعويض المناسب، ومدى اعتبار المقابل المعتاد للترخيص أساسا لتقديره، وما إذا كان الاستخدام غير المرخص قد ولد منفعة اقتصادية قابلة للإثبات.
والتمييز ضروري بين الجزاء المقرر على المخالفة، والتعويض المدني لصاحب الحق، والمقابل التعاقدي الذي يدفع لقاء الترخيص المشروع. فلكل منها طبيعة قانونية مختلفة.
تاسعا: التجربة الإماراتية.. مؤشر على مستقبل السوق الخليجية
شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة في أغسطس 2026 تطورا لافتا، بإعلان وزارة الاقتصاد والسياحة اعتماد دليل للإدارة الجماعية في مجال الموسيقى، بموجب القرار الوزاري رقم 136 لسنة 2026.
وشمل الدليل استخدام الموسيقى في المطاعم والمقاهي والفنادق ومراكز التسوق وصالات اللياقة البدنية وشركات الطيران والقنوات التلفزيونية وغيرها.
كما أعلنت الوزارة أن بدء تحصيل المقابل سيكون اعتبارا من ديسمبر 2026، وحددت جهتين مرخصتين بممارسة نشاط الإدارة الجماعية في هذا المجال.
وتبرز أهمية هذه التجربة في انتقال التنظيم من مجرد الاعتراف بحقوق أصحاب المصنفات إلى إنشاء منظومة عملية لتحصيل عوائدها من المنشآت التجارية.
ومع أن هذا التنظيم لا يسري في المملكة العربية السعودية، فإنه يقدم نموذجا خليجيا يستحق الدراسة، خصوصا في جوانب تحديد التعرفة، وتمثيل أصحاب الحقوق، وحوكمة الجهات المحصلة، ومنع ازدواجية المطالبات.
عاشرا: ما الذي ينبغي على المنشآت التجارية فعله؟
مع التطورات التشريعية الحديثة، أصبح من المناسب أن تتعامل المنشآت التجارية مع المحتوى الموسيقي والمرئي بوصفه أحد عناصر امتثالها القانوني.
ويبدأ ذلك بمراجعة مصادر الموسيقى والبث التلفزيوني المستخدمة في المنشأة، والتحقق من أن عقود الاشتراك تسمح بالاستخدام التجاري أو الأداء العلني، والحصول على التراخيص اللازمة ممن يملك منحها.
كما ينبغي الاحتفاظ بالعقود والفواتير والمراسلات التي تثبت حدود الاستخدام المصرح به.
وعند تلقي مطالبة مالية من جهة تدعي تمثيل أصحاب الحقوق، فمن المهم التحقق من صفتها القانونية، ونطاق تفويضها، والمصنفات المشمولة بالمطالبة، والأساس الذي احتسبت بموجبه المبالغ المطلوبة.
وفي المقابل، فإن أصحاب الحقوق أنفسهم بحاجة إلى تنظيم علاقاتهم التعاقدية وتوثيق ملكية الحقوق والتفويضات الممنوحة للمنتجين والناشرين والجهات التي تتولى إدارتها، لضمان عدم ضياع العوائد أو تعدد المطالبات المتعارضة.
خاتمة: من حماية المصنف إلى اقتصاد العوائد الفكرية
إن أهمية التنظيم الحديث للأداء العلني لا تنحصر في تحديد ما إذا كان على المقهى أن يدفع مقابلا عن أغنية يشغلها أمام زبائنه، وإنما تمتد إلى سؤال اقتصادي أكبر: كيف يمكن تحويل الاستغلال اليومي للمصنفات الإبداعية إلى عوائد عادلة ومستدامة لأصحابها؟
فكل أغنية تسمع في منشأة تجارية، وكل مصنف سمعي بصري يعرض للجمهور، قد يمثل استغلالا لحقوق مالية تستحق الحماية، متى توافرت شروطها النظامية.
غير أن حماية الحقوق لا تتحقق بمجرد توسيع نطاق المطالبات المالية، بل تحتاج إلى نظام ترخيص واضح، وجهات إدارة مؤهلة، وآليات عادلة لاحتساب المقابل، وشفافية في توزيع الإيرادات، وضمانات تحول دون تحميل المنشآت أعباء غير مبررة.
ولذلك فإن التحول الأهم الذي نشهده في المملكة ليس في الاعتراف بحق الأداء العلني وحده، فهذا الحق عرفته التشريعات السابقة، وإنما في الانتقال التدريجي نحو بناء سوق منظمة لإدارة الحقوق المالية واستثمارها.
وإذا أحسن تنظيم هذه السوق، فلن يكون المقابل المدفوع عن استخدام الموسيقى والمحتوى المرئي مجرد تكلفة إضافية على المطاعم والمقاهي، بل سيصبح جزءا من دورة اقتصادية تدعم المبدعين والمنتجين، وتعزز الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية، وتمنح المنشآت التجارية وضوحا قانونيا في استخدام المحتوى الذي تعتمد عليه.
فالمصنف الإبداعي لا يفقد قيمته الاقتصادية بمجرد نشره، وإنما قد تبدأ أهم مصادر تلك القيمة من تكرار استخدامه واستغلاله بصورة مشروعة.







