حين يصبح إنكار الحقيقة أسهل من تزويرها.. الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإثبات القضائي

هل تدخل المحاكم عصرا لا تكفي فيه العين ولا الخبرة الفنية للتمييز بين الدليل الحقيقي والمصطنع؟

في 15 أكتوبر 2026، شهد اجتماع اللجنة الاستشارية لقواعد الإثبات القضائي الفيدرالية الأمريكية تصريحا لافتا من شيرا أندرسون، مستشارة السياسات القانونية في شركة OpenAI، حذرت فيه من أن الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي تزداد إتقانا، وأنها لا تتوقع وجود وسيلة علمية موثوقة مستقبلا تتيح اكتشافها على نحو شامل.

لم يكن التصريح مجرد تحذير تقني من تطور أدوات التزييف، بل جاء أمام لجنة قضائية تنظر في مدى الحاجة إلى تعديل قواعد الإثبات للتعامل مع أدلة قد تكون مصطنعة بالكامل، دون أن يستطيع القاضي أو الخبير تمييزها عن الأدلة الحقيقية.

ولعل أخطر ما يثيره هذا التطور لا يتمثل في قدرة شخص على تقديم صورة مزيفة وإقناع المحكمة بصحتها، وإنما في قدرته كذلك على إنكار صورة صحيحة والطعن فيها بوصفها مولدة بالذكاء الاصطناعي.

وهكذا لم تعد المشكلة مقتصرة على حماية القضاء من الأدلة المزيفة، بل امتدت إلى حماية الأدلة الصحيحة من الادعاء بأنها مزيفة.

وهنا يبرز سؤال قانوني جوهري: هل لا تزال قواعد الإثبات التقليدية قادرة على تحقيق التوازن بين حجية الدليل الرقمي وحق الخصوم في مناقشته والطعن في صحته؟

من تزوير الدليل إلى التشكيك في الحقيقة

ارتبطت الصور والتسجيلات تاريخيا بقوة إقناعية كبيرة، لأنها تقدم للمحكمة تمثيلا مرئيا أو مسموعا للواقعة. ومع أن هذه الوسائط لم تكن يوما بمنأى عن التلاعب، فإن اصطناع تسجيل مقنع كان يتطلب غالبا أدوات وخبرات ووقتا، مع إمكانية اكتشاف بعض آثار التعديل بالفحص الفني.

غير أن الذكاء الاصطناعي التوليدي أعاد تشكيل هذه المعادلة. فقد أصبح بالإمكان إنتاج أصوات وصور ومقاطع فيديو لأشخاص حقيقيين، تتضمن أقوالا أو أفعالا لم تصدر عنهم، وبتكلفة متدنية ودون اشتراط امتلاك خبرة تقنية متقدمة.

والأكثر تعقيدا أن أدوات الكشف تواجه تحديا مستمرا مع تطور نماذج التوليد. فنجاح أداة في اكتشاف المحتوى الناتج عن نموذج معين لا يعني بالضرورة نجاحها مع النماذج الجديدة أو مع المحتوى المعدل بطرق مختلفة.

لكن ذلك لا يعني أن الكشف أصبح مستحيلا علميا، أو أن جميع أدواته عديمة الجدوى. فالتمييز واجب بين محدودية الفحص الفني القائم على خصائص الصورة أو الصوت، وبين وسائل أخرى للتحقق تعتمد على المصدر والتوقيع الرقمي وسجلات الإنشاء وسلسلة حيازة الدليل.

والنتيجة أن المحكمة قد تواجه دليلا لا يمكن الجزم بأصالته أو اصطناعه اعتمادا على مظهره أو تحليل خصائصه الفنية وحدهما.

وهنا تتحول المشكلة من مسألة تقنية إلى إشكالية في صميم العدالة القضائية.

عندما يستفيد المذنب من انتشار التزييف

إن انتشار المحتوى المصطنع قد يمنح من ثبتت عليه واقعة حقيقية فرصة للتشكيك في الدليل الذي يوثقها، بالادعاء بأنه مزيف.

ولنتصور نزاعا تجاريا يقدم فيه أحد الأطراف تسجيلا صوتيا صحيحا يتضمن إقرار الطرف الآخر بالتزام مالي. وبدلا من مناقشة الإقرار، يدعي الطرف الآخر أن صوته استنسخ بالذكاء الاصطناعي.

أو دعوى تعويض يقدم فيها المتضرر تسجيلا حقيقيا لواقعة تعد، فيدفع خصمه بأن المقطع مولد أو معدل رقميا.

قد يكون الادعاء في الحالتين كاذبا، لكنه يخلق نزاعا جديدا حول أصالة الدليل، وربما يدفع المحكمة إلى ندب خبير أو طلب مستندات إضافية، بما يترتب على ذلك من وقت وتكاليف وتعقيد.

بل قد تصبح هذه المنازعة وسيلة لتعطيل الفصل في الخصومة أو إضعاف الثقة في دليل صحيح.

لذا السؤال.. كيف نحمي المحكمة من الكاذب الذي يصطنع دليلا. أما اليوم فعلينا أن نسأل أيضا كيف نحمي الدليل الصحيح من الكاذب الذي ينكر حقيقته.

قضية أمريكية تكشف أن الخطر لم يعد افتراضيا

في مايو 2026، أيدت محكمة استئناف ولاية كنتاكي الأمريكية حكما بمعاقبة امرأة بالحبس لمدة 45 يوما، بعد تقديم شهادة ومستندات غير صحيحة في نزاع أسري.

تعود القضية إلى خلاف بشأن تنظيم الوقت الذي يقضيه طفلان مع والديهما، حيث قدمت الأم صورة لعبوة دواء، وأفادت بأنها اصطحبت أحد الطفلين إلى مركز للرعاية الطبية وتلقت وصفة علاجية.

اعترض الطرف الآخر على الرواية، وأثار احتمال تعديل الصورة أو إنشائها بالذكاء الاصطناعي، مستندا إلى عدم وجود سجلات طبية أو صيدلانية تؤيد الواقعة كما عرضت.

وبعد إجراءات قضائية، أقرت المرأة بعدم صحة شهادتها وبوجود مستندات مزيفة أو معدلة، وانتهى الأمر بإدانتها بازدراء المحكمة.

ومن المهم هنا أن الحكم لم يثبت بصورة قاطعة أن الصورة أنتجت بأداة ذكاء اصطناعي بعينها. وإنما تكمن دلالته في أن التحقق من مستندات مستقلة، ثم الإقرار بعدم صحة الأدلة، أسهما في كشف الواقعة.

وتقدم هذه القضية درسا مهما: التحقق من صدق الدليل لا يستلزم دائما اكتشاف عيوب تقنية داخل الملف ذاته؛ فقد يتحقق بكشف التعارض بين محتواه وبين الوقائع والسجلات المستقلة.

كيف تستعد قواعد الإثبات الأمريكية؟

تدرس اللجنة الاستشارية لقواعد الإثبات الفيدرالية مقترحا لإضافة الفقرة 901(c)، بهدف تنظيم المنازعة في الأدلة التي يدعى اصطناعها بالذكاء الاصطناعي التوليدي.

يقوم المقترح على مرحلتين:

في المرحلة الأولى، يتعين على الخصم المعترض تقديم مؤشرات كافية تبرر التحقيق في احتمال اصطناع الدليل. ولا يكفي مجرد القول إن الصورة أو التسجيل مزيف.

أما إذا قدم تلك المؤشرات، فتنتقل المسألة إلى مرحلة ثانية، يتعين فيها على مقدم الدليل إثبات أن أصالته أرجح من عدمها، وفق معيار رجحان الأدلة.

ومن المؤشرات التي ناقشتها الوثائق التحضيرية للمقترح، وجود تناقض في تواريخ الملفات، أو آثار تعديل غير مفسرة، أو غياب الأصل الرقمي، أو انقطاع سلسلة حيازته، أو وجود أدلة مستقلة تتعارض مع مضمونه.

ويكشف هذا التوجه محاولة لتحقيق توازن دقيق؛ فلا يسمح بزعزعة الأدلة الصحيحة بمجرد ادعاء مرسل، ولا يترك الدليل المشكوك فيه بمنأى عن التحقق الجاد.

ومع ذلك، فإن المقترح لا يزال قيد الدراسة، ولم يصبح قاعدة قضائية نافذة.

واللافت أن النقاش الأمريكي لا يقتصر على الأدلة المصطنعة المقدمة باعتبارها حقيقية، بل يمتد إلى موثوقية النتائج التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي ويقدمها الخصوم صراحة بوصفها أدلة، وهو موضوع مختلف من حيث الطبيعة القانونية ومعايير التحقق.

ماذا يقول نظام الإثبات؟

لدينا في المملكة يمثل نظام الإثبات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 26/5/1443هـ أساسا تشريعيا مهما لمعالجة الدليل الرقمي.

فقد خصص النظام بابه الرابع للدليل الرقمي، وعرفت المادة الثالثة والخمسون هذا الدليل تعريفا واسعا يشمل البيانات المنشأة أو الصادرة أو المستلمة أو المحفوظة أو المبلغة بوسيلة رقمية، متى أمكن استرجاعها أو الحصول عليها بصورة يمكن فهمها.

كما قررت المادة الخامسة والخمسون أن للإثبات بالدليل الرقمي حكم الإثبات بالكتابة.

ولم يقف المنظم عند تقرير الحجية، بل ميز بين الأدلة الرقمية بحسب طبيعتها ومصدرها.

فالمادة السادسة والخمسون منحت الدليل الرقمي الرسمي الحجية المقررة للمحرر الرسمي متى استوفى شروطه النظامية.

أما المادة السابعة والخمسون فقد قررت حجية الدليل الرقمي غير الرسمي على أطراف التعامل، ما لم يثبت خلاف ذلك، في حالات محددة، منها صدوره وفقا لنظام التعاملات الإلكترونية أو نظام التجارة الإلكترونية، أو استخلاصه من وسيلة رقمية منصوص عليها في العقد أو موثقة أو مشاعة للعموم.

ثم جاءت المادة الثامنة والخمسون لتضع عبء إثبات عدم صحة الدليل الرقمي المشمول بالمادتين السابقتين على من يدعي عدم صحته.

وهذا الحكم يثير تساؤلا مهما في ضوء تطور الذكاء الاصطناعي:

إذا أصبح اصطناع الدليل الرقمي ممكنا بدرجة يتعذر معها كشف التزييف فنيا، فكيف يمكن للخصم أن يؤدي عبء إثبات عدم صحته؟

ليس المقصود بذلك أن الحجية التي قررها المنظم أصبحت غير ملائمة، أو أن كل صورة أو تسجيل يتمتع تلقائيا بالحجية الخاصة المنصوص عليها في المادة السابعة والخمسين؛ إذ يجب ابتداء التحقق من انطباق شروطها على الدليل.

وإنما المقصود أن قدرة الخصم على إثبات خلاف الدليل قد تواجه صعوبات جديدة، خصوصا عندما يكون الدليل مصطنعا بإتقان، أو عندما لا يتاح الأصل الرقمي أو السجل الذي نشأ عنه.

والجدير بالتنبيه أن نطاق نظام الإثبات، وفقا لمادته الأولى، يتعلق بالمعاملات المدنية والتجارية. أما الإثبات في القضايا الجزائية فتحكمه قواعده النظامية والإجرائية ذات الصلة، ولا يصح افتراض سريان جميع أحكام الباب الرابع عليه تلقائيا.

ما أدوات القضاء لمواجهة هذه الإشكالية؟

الإجابة نعم، وإلى حد معتبر.

فالمادة الستون من نظام الإثبات أجازت تقديم الدليل الرقمي بهيئته الأصلية أو بأي وسيلة رقمية أخرى، بينما قررت المادة الحادية والستون أثرا نظاميا لامتناع الخصم، بغير عذر مقبول، عن تقديم ما تطلبه المحكمة للتحقق من صحة الدليل.

والأهم أن المادة الثانية والستين عالجت حالة تعذر التحقق من صحة الدليل الرقمي بسبب لا يعود للخصوم، وأجازت للمحكمة تقدير حجيته وفقا لما يظهر لها من ظروف الدعوى.

كما أكدت الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات على أهمية الاحتفاظ بالدليل بهيئته الأصلية عند تقديم نسخة منه، ووجوب مطابقة المستخرج على سجله الرقمي عند المنازعة في صحته، وجواز استعانة المحكمة بخبير للتحقق من الدليل الرقمي.

وهذه النصوص تعطي القضاء مساحة مهمة للتعامل مع النزاع دون الارتهان لنتيجة أداة تقنية واحدة.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تطبيقها على صور وتسجيلات يمكن اصطناعها دون آثار ظاهرة، وفي مدى وجود معايير فنية موحدة للخبراء توضح حدود أدوات الكشف ودرجة موثوقية نتائجها.

فليس من المقبول أن يصبح تقرير الخبير حاسما لمجرد استخدام برنامج يصنف الصورة بأنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، ما لم تكن منهجيته قابلة للفحص، وحدوده واضحة، ونتائجه قابلة للمناقشة.

ولذلك ينبغي أن يكون السؤال الموجه للخبير أكثر تحديدا من مجرد: هل التسجيل مزيف؟

إذ يجب أن يشمل مصدره، وخصائص ملفه الأصلي، وسجلات إنشائه، وآثار تعديله، ومدى اتساقه مع البيانات المستقلة، وإمكان إثبات سلامته أو نفيها فنيا.

لا بد من التمييز بين ثلاثة أوجه لصحة الدليل

من أبرز الإشكالات التي قد تواجه التقاضي الرقمي الخلط بين أصالة الدليل، وسلامته، وصدق مضمونه.

فقد يكون الملف أصليا، بمعنى أنه صادر بالفعل من الجهاز المنسوب إليه، لكنه لا يعرض الواقعة كاملة.

وقد يكون سليما من أي تعديل بعد إنشائه، لكنه أنشئ ابتداء بمحتوى مصطنع.

وقد يكون حقيقيا من الناحية البصرية والصوتية، لكنه يقدم خارج سياقه، كأن يكون تسجيل مشهد تمثيلي على أنه واقعة فعلية.

وهكذا يتعين الفصل بين ثلاثة أسئلة مستقلة:

هل ثبت مصدر الدليل؟ وهل ثبت عدم العبث به؟ وهل ثبت صدق الواقعة التي يستدل بها عليه؟

إن الإجابة الإيجابية عن أحد هذه الأسئلة لا تغني بالضرورة عن السؤالين الآخرين.

وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأن تقنيات التوقيع الرقمي والبصمات التشفيرية قد تساعد في إثبات سلامة الملف من التغيير بعد توقيعه، لكنها لا تثبت بالضرورة أن محتواه يمثل واقعة حقيقية.

من كشف التزييف إلى إثبات المنشأ

تتجه الصناعة التقنية إلى تطوير وسائل لتوثيق منشأ المحتوى الرقمي وتاريخ التعديلات التي تطرأ عليه، ومن أبرزها معيار C2PA، الذي يعتمد على بيانات منشأ يمكن ربطها بالمحتوى والتحقق من بعض عناصرها تشفيريا.

كما تستخدم بعض الشركات علامات مائية رقمية لتحديد المحتويات التي تنتجها أنظمتها.

وقد تبنى الاتحاد الأوروبي، من خلال المادة الخمسين من نظام الذكاء الاصطناعي، التزامات تتعلق بتمييز المحتوى الاصطناعي وإتاحته للكشف آليا، مع مراعاة الحدود الفنية لهذه الوسائل.

لكن هذه الحلول ليست مطلقة؛ فقد تزال بيانات المنشأ عند مشاركة الملفات أو تحويل صيغتها، وقد لا تدعم بعض الأجهزة هذه التقنيات أصلا. كما أن إثبات المنشأ لا يساوي إثبات صدق المحتوى.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى الانتقال تدريجيا من محاولة اكتشاف التزييف بعد وقوعه، إلى بناء منظومة تحفظ تاريخ الدليل الرقمي منذ لحظة إنشائه وحتى تقديمه للمحكمة.

ويمكن أن تشمل هذه المنظومة توثيق التسجيل من الجهاز المصدر، وحساب بصمته التشفيرية، وتسجيل مراحل نقله وحفظه، والتحقق من سجلات الأنظمة المرتبطة به، وتحديد الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إليه أو تعديله.

ومع ذلك، ينبغي ألا يتحول غياب هذه الوسائل إلى قرينة آلية على عدم صحة الدليل، وإلا أضحى أصحاب الأدلة الصحيحة الملتقطة بأجهزة عادية في مركز أضعف من غيرهم.

ما الذي نحتاج إليه في المملكة؟

لا أرى أن هذه التطورات تستوجب بالضرورة المسارعة إلى تعديل نظام الإثبات، قبل استثمار ما يوفره من قواعد مرنة وأحكام للتحقق والخبرة والقرائن.

لكنها تدعو إلى تطوير التطبيق القضائي والفني من خلال عدد من المسارات.

أولها: وضع معايير وطنية للخبرة الجنائية الرقمية عند فحص الصور والتسجيلات، تشمل توثيق المنهج الفني، وبيان معدلات الخطأ وحدود أدوات الكشف، والتمييز بين النتيجة القطعية والاحتمالية، وعدم الاكتفاء بنتائج برامج غير مثبتة الموثوقية.

وثانيها: إقرار بروتوكولات واضحة لحفظ الأدلة الرقمية، تتضمن المحافظة على الملفات الأصلية، وتوثيق مصدرها وسلسلة حيازتها، ومنع ما قد يؤدي إلى فقدان بيانات مهمة قبل فحصها.

وثالثها: تطوير ضوابط عملية للمنازعة في الأدلة المصطنعة، بحيث لا يكفي الادعاء المجرد بالتزييف لفتح تحقيق فني مكلف، وفي الوقت ذاته لا يحرم الخصم من حقه في المنازعة الجدية لمجرد عجزه عن إثبات تقنية الاصطناع المستخدمة.

ورابعها: تعزيز التأهيل القضائي والمهني في مسائل الأدلة الاصطناعية، سواء لدى القضاة أو المحامين أو الخبراء، مع إيلاء عناية خاصة للفارق بين الأدلة المنشأة بالذكاء الاصطناعي عمدا، والأدلة الحقيقية التي خضعت لمعالجات رقمية اعتيادية.

وخامسها: دراسة تطوير قواعد التوثيق الموثوق في القطاعات التي تنتج أدلة ذات أثر قضائي متكرر، مثل كاميرات المراقبة والمنصات الرقمية والسجلات المؤسسية، بما يراعي التناسب والتكلفة وحماية البيانات الشخصية.

كما ينبغي ألا يغيب عن هذه المعالجة خطر المنازعات الكيدية؛ لأن انتشار التشكيك في المحتوى الصحيح قد يتحول بدوره إلى وسيلة للإضرار بالخصوم وإطالة أمد التقاضي.

التحدي ليس تقنيا فقط.. بل يتعلق بفلسفة الإثبات

إذا كان التطور التقني قد جعل إنشاء دليل بصري أو صوتي مقنع أمرا يسيرا، فإن ذلك لا ينبغي أن يقود إلى إسقاط الثقة بجميع الأدلة الرقمية.

فالعدالة لا تقوم على قبول كل ما يقدم إليها، كما أنها لا تقوم على الارتياب المطلق فيما يعرض أمامها.

إنما تقوم على تقدير الأدلة في ضوء مصدرها وموثوقيتها وارتباطها بالواقعة والقرائن المؤيدة أو المناقضة لها، مع ضمان حق كل طرف في مناقشتها.

ولعل التحول الأكثر أهمية الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على القضاء هو أن الصورة لم تعد قادرة وحدها على تقديم الضمان الذي يوحي به مظهرها، وأن الفحص الفني لم يعد بالضرورة طريقا حاسما للحقيقة.

وبقدر ما تتقدم تقنيات إنشاء المحتوى الاصطناعي، تتعاظم أهمية قواعد الإثبات التي تسمح بالتحقق من المصدر، ومناقشة القرائن، وفحص الأدلة المستقلة، وتقدير درجة اليقين دون المبالغة فيها.

فقد نصل إلى مرحلة يصبح فيها إنكار الواقعة الصحيحة أسهل من تزوير دليل عليها، وعندئذ لن يكون أخطر ما يواجه العدالة هو الدليل الكاذب وحده، بل الشك المصطنع في الدليل الصادق.

ومن هنا، فإن مسؤولية التشريع والقضاء لا تقتصر على حماية المحاكم من دخول الأدلة المزيفة، وإنما تشمل كذلك حماية الحقيقة من أن تضيع بين احتمالات التزييف.


المراجع الأساسية