دفعت للمشهور مقابل الإعلان.. فهل اشتريت حق استخدام صورته إلى الأبد؟

حقوق المشاهير وصناع المحتوى وحدود الاستغلال التجاري للإعلانات في ضوء نظام حقوق المؤلف السعودي

تعاقد تاجر مع أحد مشاهير التواصل الاجتماعي للإعلان عن منتجه، مقابل مبلغ مالي محدد. نفذ المشهور الإعلان ونشره عبر حسابه على سناب شات، لكن التاجر لم يكتف بذلك، فاحتفظ بنسخة من الإعلان، وأعاد نشرها عبر حساباته على سناب شات وتيك توك، ثم بدأ بعرض الإعلان على الشاشات داخل محلاته التجارية.

اعترض المشهور على استخدام صورته وصوته خارج الاتفاق، لكن التاجر أجابه: (أنا دفعت لك مقابل الإعلان!)

هذه العبارة تختصر إشكالية قانونية مهمة في سوق الإعلانات الرقمية: هل دفع مقابل الإعلان يعني امتلاك المحتوى الإعلاني وحقوق استغلاله، أم أنه مجرد مقابل لخدمة محددة؟

والإجابة تستلزم التمييز بين حقوق مختلفة قد تجتمع في الإعلان الواحد، لكنها لا تنتقل بالضرورة إلى التاجر بمجرد دفع المقابل المالي.

أولا: ما الذي اشتراه التاجر بالفعل؟

قبل تحديد مشروعية تصرف التاجر، ينبغي تحديد محل التعاقد.

فالتعاقد مع المشهور قد يكون على أحد ثلاثة أمور مختلفة:

الأول: شراء خدمة إعلانية. كأن يتفق التاجر مع المشهور على تصوير مقطع ونشره عبر حسابه في سناب شات، مقابل مبلغ محدد. هنا يكون جوهر التعاقد الوصول إلى جمهور المشهور والاستفادة من تأثيره التسويقي، وليس بالضرورة الحصول على ملكية المحتوى أو حقوق إعادة استغلاله.

الثاني: إنتاج محتوى إعلاني. كأن يتعاقد التاجر مع صانع محتوى لإعداد فيديو ترويجي وتسليمه للشركة لاستخدامه في حملاتها. وهنا تختلف طبيعة الالتزام، وتبرز مسألة ملكية المصنف السمعي البصري والحقوق المالية الناشئة عنه.

الثالث: الترخيص باستغلال المحتوى والصورة التجارية. كأن يتفق الطرفان صراحة على منح التاجر حق استخدام الإعلان وصورة المشهور وصوته في منصات محددة، ولمدة معينة، وبمقابل يشمل هذا الاستغلال.

وهذه الصور ليست متطابقة من الناحية القانونية، حتى لو استخدم الأطراف في جميعها عبارة (عقد إعلان).

فدفع المقابل المالي لا يحدد وحده طبيعة الحقوق المنتقلة؛ وإنما يحددها العقد والنظام وحقيقة الالتزامات التي اتجهت إليها إرادة المتعاقدين.

ثانيا: الإعلان ليس حقا واحدا.. بل مجموعة حقوق

قد ينطوي الإعلان المصور على عدة حقوق مستقلة أو متداخلة، منها:

1. حقوق المؤلف على المحتوى الإعلاني: وتشمل الحقوق المالية المتصلة بالمصنف السمعي البصري متى استوفى شروط الحماية، مثل نسخه وتعديله وإتاحته للجمهور.

2. الحقوق المجاورة لفناني الأداء: إذا تضمن الإعلان أداء فنيا أو تمثيليا أو إلقاء لمصنف تتوافر فيه شروط الحماية المقررة لفناني الأداء.

3. المصالح والحقوق المرتبطة بصورة الشخص وصوته وهويته: خصوصا عندما يستخدم ظهوره للإيحاء باستمرار علاقته التجارية بالمنتج أو تأييده له.

4. الحقوق التعاقدية: وهي التي تحدد نطاق الموافقة على ظهور الشخص، ووسائل النشر، ومدة الاستغلال، وحدود التعديل وإعادة الاستخدام.

وبالتالي، قد يملك التاجر الحقوق المالية على الفيديو نفسه، دون أن يعني ذلك بالضرورة امتلاكه ترخيصا غير محدود لاستغلال صورة الشخص الظاهر فيه في كل حملة تجارية مستقبلية.

كما قد يمنح المشهور حق استخدام صورته في حملة محددة، دون أن يملك أصلا جميع حقوق المؤلف على الموسيقى أو الصور أو العناصر الأخرى المضمنة في الإعلان.

وهذا التعدد يجعل من الضروري تحليل كل حق على حدة، بدلا من التعامل مع الإعلان باعتباره أصلا واحدا انتقلت جميع حقوقه بمجرد دفع الأتعاب.

ثالثا: ماذا يقول نظام حقوق المؤلف السعودي الجديد؟

صدر نظام حقوق المؤلف الجديد بموجب المرسوم الملكي رقم (م/169) لعام 1447هـ، ووسع تنظيم الحقوق المتعلقة بالمصنفات والحقوق المجاورة والعلاقات التعاقدية.

ونصت المادة التاسعة منه على حقوق مالية استئثارية للمؤلف، تشمل نسخ المصنف وتعديله وتوزيعه وأداءه علنا ونقله إلى الجمهور وإتاحته بوسائل مختلفة.

ومن ثم، فإن إعادة رفع فيديو إعلاني على منصة أخرى ليست بالضرورة مجرد استمرار للنشر الأول؛ فقد تمثل استعمالا جديدا للحقوق المالية المرتبطة بالمصنف.

والأهم ما قررته المادة العشرون من اللائحة التنفيذية من استقلال حقوق المؤلف والحقوق المجاورة عن ملكية الشيء المادي الذي يتجسد فيه المصنف أو الأداء أو التسجيل، وأن نقل ملكية ذلك الشيء لا يترتب عليه انتقال تلك الحقوق.

وهذا التمييز مهم في حالتنا؛ فحصول التاجر على نسخة من الفيديو لا يكفي وحده لإثبات ملكيته لجميع الحقوق المتعلقة بإعادة نشره أو استغلاله.

كذلك أوجبت المادة الثانية والعشرون من اللائحة تنظيم العلاقات التعاقدية بعقود مكتوبة تحدد، من بين أمور أخرى، نوع الاستغلال المصرح به ومدته ونطاقه الجغرافي والمقابل المالي.

وهذا التنظيم يؤكد أن حدود الاستغلال ليست مسألة ثانوية في عقود المحتوى، وإنما عنصر جوهري ينبغي الاتفاق عليه.

مسألة تشريعية دقيقة: المصنف المنجز لحساب الغير

ثمة تفصيل مهم لا يصح إغفاله.

فالمادة الثامنة عشرة من النظام، في فقرتها الثانية، تقرر أن الحقوق المالية للمصنف المبتكر لحساب شخص آخر تعود إلى المؤلف ما لم يتفق على غير ذلك.

وفي المقابل، جاءت المادة الخامسة عشرة من اللائحة التنفيذية، في فقرتها الثانية، بصياغة تقرر أيلولة الحقوق المالية إلى الشخص الذي أبرم معه المؤلف عقدا خاصا لإنجاز المصنف، ما لم يتضمن العقد نصا صريحا بخلاف ذلك.

ويظهر من المقارنة بين النصين اختلاف في تقرير الأصل المتعلق بملكية الحقوق المالية للمصنفات المنجزة لحساب الغير، وهو اختلاف يستلزم التفسير في ضوء تدرج القواعد النظامية، وطبيعة العلاقة التعاقدية، ومحل الالتزام.

ولا يصح إغفال هذا الإشكال عند تقديم رأي قانوني حاسم في ملكية المحتوى المنتج بناء على طلب التاجر.

لكن الأهم في حالتنا أن التعاقد مع مشهور لنشر إعلان على حسابه لا يساوي بالضرورة التعاقد معه على ابتكار مصنف ونقل جميع حقوقه المالية.

فالتمييز بين خدمة النشر وإنتاج المصنف هو الخطوة الأولى لتحديد الحقوق.

رابعا: هل للمشهور حق مستقل في صورته وصوته؟

هنا نصل إلى جوهر المسألة.

المشهور لا يبيع مجرد وقت يقضيه أمام الكاميرا؛ بل يتعاقد التاجر معه للاستفادة من شهرته وثقة جمهوره وتأثير ظهوره على القرارات الشرائية.

وبالتالي، فإن استخدام صورته وصوته في إعلان تجاري يمثل منفعة اقتصادية ذات قيمة مستقلة عن التكلفة الفنية لإنتاج الفيديو.

وهذا ما تعالجه الأنظمة المقارنة من خلال مفاهيم مثل حقوق الشخصية والحق في الاستغلال التجاري للهوية (Right of Publicity)، مع اختلاف نطاق الاعتراف بها من دولة إلى أخرى.

أما في المملكة، فلا ينبغي افتراض وجود حق تجاري مستقل ومطلق مطابق للنموذج الأمريكي، وإنما يجري البحث عن أساس الحماية في القواعد النظامية ذات الصلة، وفي مقدمتها العقود، وحقوق المؤلف والحقوق المجاورة عند انطباقها، وحماية البيانات الشخصية، وقواعد المسؤولية المدنية.

ومن الجدير بالتنويه أن المادة السابعة عشرة من نظام حماية حقوق المؤلف السابق كانت تتناول الإذن بنشر صور الأشخاص، وقد استند القضاء السعودي إلى هذا الحكم في بعض المنازعات. غير أن النظام السابق حل محله نظام حقوق المؤلف الجديد، ولذلك يجب التمييز بين الأساس الذي قامت عليه الأحكام القضائية القديمة والنصوص النافذة حاليا.

كذلك يعد ظهور الشخص في صورة ثابتة أو متحركة من البيانات الشخصية وفقا لنظام حماية البيانات الشخصية، وهو ما قد يستدعي النظر في مشروعية المعالجة وأغراضها والأساس النظامي لها، دون أن يعني ذلك أن كل استخدام لصورة شخص يخضع بالضرورة للموافقة وحدها أو أن نظام البيانات الشخصية يحسم ملكية الإعلان.

والخلاصة أن موافقة الشخص على الظهور في إعلان لا ينبغي أن تفسر تلقائيا باعتبارها إذنا مفتوحا باستغلال هويته تجاريا في كل زمان ومكان.

خامسا: هل يدخل إعلان المشهور ضمن الحقوق المجاورة لفناني الأداء؟

ليس كل مشهور يظهر أمام الكاميرا فنان أداء بالمعنى النظامي.

فقد يقتصر دوره على تقديم تجربة شخصية عن منتج، أو الحديث عنه بصورة تلقائية، دون أداء مصنف أدبي أو فني.

لكن إذا تضمن الإعلان أداء تمثيليا أو إلقاء لنص إبداعي أو أداء فنيا تنطبق عليه أحكام فناني الأداء، فقد تنشأ حقوق مجاورة مستقلة عن حقوق المؤلف على الفيديو.

وقد نظمت اللائحة التنفيذية الجديدة في المادتين السابعة والتاسعة الحقوق الأدبية والمالية لفناني الأداء، مع مراعاة طبيعة الأداء وما إذا كان مثبتا في تسجيل صوتي أو سمعي بصري.

ولذلك، فإن تحديد صفة المشهور في الإعلان ليس مسألة شكلية.

فهل كان مجرد مقدم خدمة ترويجية؟ أم مؤلفا للمحتوى؟ أم فنان أداء؟ أم اجتمعت فيه أكثر من صفة؟

الإجابة قد تغير الأساس القانوني الذي تبنى عليه المطالبة.

سادسا: هل تختلف إعادة النشر على سناب شات عن العرض داخل المحلات؟

بالتأكيد، وقد يكون هذا الاختلاف جوهريا في تحديد نطاق الاستغلال وقيمته الاقتصادية.

إعادة النشر عبر حساب التاجر: قد تكون مشروعة إذا شملها الترخيص صراحة أو ثبت أنها تدخل في الغرض المتفق عليه. أما مجرد نشر المشهور الإعلان في حسابه فلا يجعل المحتوى مباحا تلقائيا لإعادة استخدامه في حسابات الآخرين تجاريا.

الإعلانات الممولة عبر تيك توك أو سناب شات: تمثل مستوى مختلفا من الاستغلال؛ لأن التاجر لم يعد يكتفي بجمهور المشهور، بل يستخدم صورته وصوته للوصول إلى جماهير جديدة عن طريق شراء المساحات الإعلانية. وقد يمتد ذلك إلى حملات كبيرة وميزانيات لا تتناسب مع الأتعاب الأصلية.

العرض على شاشات الفروع: يضيف وسيلة ومكانا مختلفين للاستغلال، وقد يستمر لأشهر أو سنوات، بحيث تصبح صورة المشهور جزءا دائما من البيئة التسويقية للمحلات.

استخدام مقتطفات من الإعلان: كاستخراج صورة ثابتة من الفيديو، أو حذف بعض العبارات، أو تركيب الصوت على إعلان آخر، أو دمج المقطع مع عروض جديدة. وهذه تصرفات قد تثير مسائل مستقلة تتعلق بالنسخ والتحوير ونطاق الموافقة، فضلا عن احتمال الإضرار بسمعة الشخص إذا تغير سياق ظهوره.

وفي جميع هذه الحالات، لا يكفي وصف التصرف بأنه (إعادة نشر)، بل يجب تحديد طبيعة الاستخدام، والحق الذي يتطلبه، ومدى شمول الترخيص له.

سابعا: سابقة قضائية سعودية قريبة من هذه الواقعة

من أهم ما يستحق الاستحضار في هذا السياق حكم صادر من المحكمة التجارية بالرياض في القضية رقم 42806774، والحكم رقم 437763921 لعام 1443هـ.

وتتلخص الواقعة في أن شخصا شارك في تصوير إعلان تجاري، ثم استُخدمت صورته لاحقا في حملات دعائية عبر وسائل إلكترونية ولوحات إعلانية دون تصريح يخول ذلك الاستغلال.

وكان المقابل الذي تقاضاه عن التصوير، بحسب وقائع الحكم، ألف ريال للصورة محل التعاقد، بينما طالب لاحقا بتعويض قدره 250 ألف ريال عن الاستخدام غير المصرح به.

وقد انتهت المحكمة إلى ثبوت الاعتداء، وألزمت الشركة بإزالة الصورة من حملاتها الدعائية ومنصاتها الإلكترونية ولوحاتها الإعلانية وغيرها من الوسائل، وحكمت بتعويض قدره 15 ألف ريال.

واللافت في تسبيب الحكم أن المحكمة لم تجعل المقابل المدفوع لقاء التصوير مبررا للاستغلال اللاحق، وإنما نظرت إلى أجرة المثل فيما لو جرى التعاقد على الاستخدام محل النزاع، وإلى تفويت فرصة صاحب الصورة في المساومة على قيمة الانتفاع بها.

كما راعت أن قيمة الاستخدام تختلف باختلاف نطاق الاستغلال وقيمة الجهة المستفيدة منه.

وقد أيدت دائرة الاستئناف الخامسة الحكم، ورفضت مطالبة المدعي بزيادة التعويض إلى 250 ألف ريال.

ورغم أن هذا الحكم صدر في ظل النظام السابق، فإن أهميته التحليلية تكمن في أمرين:

الأول: التمييز بين المقابل المدفوع مقابل المشاركة في التصوير وبين الإذن باستغلال الصورة في الحملات التجارية.

الثاني: اعتماد أجرة المثل ونطاق الاستخدام والفرصة الاقتصادية الفائتة ضمن أسس تقدير التعويض.

وهي اعتبارات تظل ذات أهمية في تحليل المنازعات التعاقدية ومطالبات التعويض في ظل التنظيم الجديد، مع ضرورة تأسيس كل دعوى على النصوص النافذة وقت الواقعة.

ثامنا: هل يستحق المشهور مبلغا إضافيا عن كل إعادة استخدام؟

ليس بالضرورة.

فإذا اتفق الطرفان ابتداء على أن المقابل يشمل إنتاج المحتوى ونشره وإعادة استغلاله في حسابات التاجر وإعلاناته الممولة وشاشات فروعه لمدة سنة، فلا يجوز للمشهور المطالبة بمقابل إضافي عن الاستعمالات الداخلة في نطاق هذا الاتفاق لمجرد أنه أصبح يراها ذات قيمة أعلى.

أما إذا كان الاتفاق محددا بنشر الإعلان في حساب المشهور فقط، ثم توسع التاجر في استعماله دون إذن، فقد ينشأ للمشهور حق في المطالبة بوقف الاستخدام والتعويض بحسب الأساس النظامي المتحقق.

وهنا يظهر مفهوم مهم في صناعة المحتوى الإعلاني، وهو ترخيص الاستخدام الإعلاني (Advertising Usage License).

فهذا الترخيص يحدد أين ومتى وكيف يجوز استخدام المحتوى، وقد يقابل أتعابا مستقلة عن أتعاب تصوير الإعلان أو نشره.

وفي الممارسات التجارية الدولية، يجري التمييز بين النشر الأصلي عبر حساب المؤثر، وإعادة النشر في حسابات العلامة التجارية، والاستغلال في الإعلانات المدفوعة، واستخدام هوية المؤثر لتشغيل الإعلانات عبر حسابه، والاستغلال الدائم أو الشامل للمحتوى.

لكن هذه الفئات ليست رسوما إلزامية يفرضها النظام السعودي بصورة موحدة؛ وإنما هي أدوات تعاقدية وتسعيرية تساعد الأطراف على تحديد نطاق الحقوق وقيمتها.

تاسعا: كيف يثبت المشهور مقدار التعويض؟

إثبات التعدي، متى تحقق، لا يعني استحقاق أي مبلغ يختاره المتضرر.

فالمادة الحادية والخمسون من نظام حقوق المؤلف الجديد أتاحت لصاحب الحق المتضرر طلب التعويض عن الأضرار الناجمة عن التعدي، بما في ذلك الأرباح التي جناها المتعدي منه، وفق ما تقرره المحكمة.

كما تقدم قواعد التعويض في نظام المعاملات المدنية أساسا للنظر في الخسارة والكسب الفائت والضرر المعنوي متى توافرت شروطه.

وقد يستند تقدير التعويض في هذه المنازعات إلى عدة عوامل، منها:

  • أجرة الترخيص المعتادة: ما الذي كان سيتقاضاه المشهور لو تعاقد ابتداء على استخدام الإعلان في حسابات التاجر وشاشات فروعه؟
  • مدة الاستغلال: هل استمر الإعلان أسبوعا أم سنة أم عدة سنوات؟
  • اتساع الانتشار: عدد المنصات والحملات والمشاهدات والفروع والشاشات التي ظهر فيها الإعلان.
  • الطبيعة التجارية للاستخدام: هل كان منشورا عاديا أم حملة ممولة بميزانية إعلانية كبيرة؟
  • الأثر على الفرص التجارية الأخرى: كأن يؤدي استمرار الإعلان إلى تعارضه مع تعاقد حصري لاحق أو إلى فقدان فرصة ترخيص تجاري مثبتة.
  • الأضرار المرتبطة بالسمعة: خصوصا إذا استمر الإعلان بعد تغير ظروف المنتج أو جرى تعديله بما يوهم بتأييد جديد لم يصدر عن المشهور.

ولا يلزم أن تساوي قيمة التعويض إجمالي إيرادات المنتج أو جميع أرباح الحملة، إذ تبقى مسألة علاقة الأرباح بالتعدي ومدى الضرر وإثباته خاضعة للتقدير القضائي.

ولهذا فإن توثيق الاستخدامات المختلفة، والاحتفاظ بالعقود السابقة، وعروض الأسعار، ومراسلات التفاوض، وبيانات الحملات، قد يكون أكثر أهمية من مجرد المطالبة بمبلغ كبير دون سند تفصيلي.

عاشرا: ماذا لو لم يوجد عقد مكتوب؟

هذه من أكثر الإشكاليات شيوعا في التعاقد مع المشاهير.

فكثير من الاتفاقات تتم من خلال رسائل واتساب أو محادثات سناب شات، وقد لا تتجاوز الاتفاقية عبارة: (إعلان لمنتجنا بمبلغ كذا).

في هذه الحالة، لا يصح القول تلقائيا إن المشهور احتفظ بكل الحقوق، كما لا يصح القول إن التاجر حصل على حق استغلال غير محدود.

بل ينبغي البحث عن الإرادة المشتركة للطرفين، وطبيعة الخدمة المتفق عليها، والمراسلات السابقة، والممارسات المعتادة بينهما، والعرف المهني، والحقوق التي تتطلب انتقالا أو ترخيصا وفقا للنصوص الخاصة.

وهنا تبرز المادة الرابعة بعد المائة من نظام المعاملات المدنية، التي تجعل تفسير العقد، عند الحاجة، قائما على البحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين والاستهداء بظروف العقد وطبيعة المعاملة والعرف.

فإذا كانت المراسلات تدل على أن المطلوب (ثلاث سنابات في حساب المشهور)، فهذا قرينة تختلف عن اتفاق يقضي بتصوير حملة إعلانية وتسليم ملفاتها الأصلية للشركة لاستعمالها في وسائلها التسويقية.

وكلما اتسع الاستخدام المختلف عليه، ازدادت أهمية وجود دليل واضح على شمول الاتفاق له.

الحادي عشر: كيف تصاغ عقود إعلانات المشاهير لتجنب هذه المنازعات؟

من الخطأ أن تقتصر الاتفاقية على اسم المنتج ومبلغ الإعلان وتاريخ النشر.

والأفضل أن تفصل بين التزامات صناعة المحتوى أو أدائه، والتزامات نشره، وحقوق استغلاله بعد النشر.

ومن البنود التي ينبغي تنظيمها:

محل التعاقد: هل يلتزم المشهور بإنتاج الإعلان، أم الظهور فيه، أم نشره، أم جميع ذلك؟

ملكية المحتوى: من يملك الحقوق المالية في النص والصور والفيديو؟ وما حقوق الأطراف الأخرى المشاركة في الإنتاج؟

حق إعادة الاستخدام: هل يحق للتاجر تحميل الإعلان وإعادة نشره أو عرضه في المتاجر؟

الوسائل المصرح بها: هل تشمل سناب شات وتيك توك والموقع الإلكتروني والمتجر والشاشات الداخلية والإعلانات الممولة واللوحات الخارجية؟

مدة الترخيص: هل هي ثلاثون يوما أم سنة أم مدة أخرى؟ وماذا يحدث للمواد بعد انتهائها؟

النطاق الجغرافي: هل يقتصر الاستخدام على المملكة، أم يمتد إلى أسواق أخرى؟

التعديل وإعادة الإنتاج: هل يجوز قص الإعلان وتغيير أبعاده وإضافة عبارات جديدة عليه، وما حدود الموافقات اللازمة؟

المقابل المالي: هل يشمل الأتعاب جميع الاستعمالات، أم توجد أتعاب مستقلة للترخيص أو تمديده؟

إنهاء الترخيص: هل يلتزم التاجر بإيقاف الحملات الممولة وحذف الإعلانات من شاشاته عند انتهاء المدة؟ وهل يسمح ببقاء نسخة أرشيفية غير ترويجية؟

الحقوق الخاصة بالغير: من يتحمل مسؤولية تصفية حقوق الموسيقى والمؤثرات والصور والمقاطع والمواد الأخرى المستخدمة؟

ومن المهم كذلك التمييز بين حق التاجر في استمرار عرض إعلان متفق عليه، وبين استخدام الإعلان لاحقا بما يوحي بوجود توصية جديدة أو استمرار علاقة تجارية انتهت بالفعل.

الثاني عشر: متى يستطيع المشهور المطالبة بوقف الإعلان؟

إذا ثبت أن التاجر يستخدم حقوقا محمية دون سند نظامي أو خارج نطاق الترخيص، فقد يكون لصاحب الحق طلب وقف التعدي والمطالبة بالتعويض، مع إمكان طلب التدابير المؤقتة في الأحوال التي يجيزها النظام.

وقد نصت المادتان الحادية والخمسون والثانية والخمسون من نظام حقوق المؤلف الجديد على وسائل لحماية الحقوق، تشمل وقف التعدي والتعويض والتدابير القضائية المؤقتة وفق شروطها.

لكن يجب التمييز بين وجود تعد على حق ملكية فكرية، وبين مجرد خلاف تعاقدي على نطاق الإذن، وبين الاعتداء على مصالح الشخص المرتبطة بصورته وبياناته أو سمعته.

فقد تختلف الجهة المختصة وأساس المطالبة والأدلة المطلوبة بحسب التكييف القانوني للنزاع.

كما أن الاعتراض على استخدام الإعلان لا يجعل الاستعمال غير مشروع تلقائيا إذا ثبت أن التاجر يملك حقا ساريا يشمل ذلك الاستخدام.

أخيرا: هل دفع التاجر مقابل الإعلان أم مقابل استغلال المشهور؟

أعتقد أن كثيرا من منازعات إعلانات المشاهير لا تنشأ بسبب غياب المقابل المالي، وإنما بسبب غياب التحديد الدقيق لما يقابله ذلك المال.

فالتاجر ينظر إلى الإعلان باعتباره محتوى دفع ثمنه، ومن حقه تعظيم الاستفادة منه.

أما المشهور فينظر إلى الاتفاق باعتباره خدمة ترويجية محددة، ويرى أن استمرار استخدام صورته وصوته خارجها يمثل استغلالا اقتصاديا إضافيا لم يوافق عليه.

والحقيقة أن أيا من التصورين لا يصلح قاعدة مطلقة.

فمن حق التاجر الاستفادة الكاملة من الحقوق التي حصل عليها نظاما أو تعاقدا، كما أن من حق المشهور ألا تتجاوز صورته ومحتواه حدود الاستغلال الذي أجازه، متى كان صاحب الحق أو ثبتت له مصلحة محمية يعتد بها النظام.

وهنا تظهر أهمية الانتقال في السوق السعودي من عقود (الإعلان بمقابل) إلى عقود أكثر نضجا، تحدد ملكية المحتوى، ونطاق الاستغلال، والحقوق المتعلقة بالهوية التجارية للمؤثر، ومدد الترخيص، ووسائل الاستخدام.

فالقيمة الحقيقية التي يشتريها التاجر عند الاستعانة بمشهور ليست مجرد مقطع مرئي مدته ثلاثون ثانية؛ وإنما التأثير التجاري الذي تحدثه صورة ذلك الشخص وثقة الجمهور به.

والقاعدة التي ينبغي أن يدركها الطرفان: دفع المقابل لا يمنح حقوقا بلا حدود، كما أن الاحتفاظ بحقوق معينة لا يجيز للمشهور التنصل من ترخيص سبق أن منحه.

فالعبرة ليست بكم دفع التاجر، بل بما اتفق الطرفان على أن يحصل عليه مقابل ما دفعه.