البحث في التقنيات السابقة: الخطوة التي قد تحدد مصير الاختراع وقيمته
قد يقضي مخترع سنوات في تطوير ابتكار يعتقد أنه غير مسبوق، وينفق أموالا على النماذج الأولية والاختبارات والتجارب، ثم يتقدم بطلب براءة اختراع، ليكتشف أن التقنية التي توصل إليها سبق الكشف عنها قبل سنوات في وثيقة منشورة، أو بحث علمي، أو حتى وصف تقني متاح للجمهور في دولة أخرى.
وقد تكون النتيجة مختلفة تماما لو أنه بدأ بالبحث قبل التطوير؛ إذ ربما اكتشف أن فكرته ليست جديدة، لكنه وجد في التقنيات السابقة مشكلة لم تحل، أو قصورا يمكن تجاوزه، أو مجالا لتطوير حل أكثر كفاءة يستحق الحماية.
وهنا تبرز حقيقة يغفل عنها بعض المخترعين ورواد الأعمال: ليس كل ابتكار يعتقد صاحبه أنه جديد قابلا للحصول على براءة اختراع، وليس كل اختراع يستحق التقدم لحمايته قبل دراسة ما سبقه من تقنيات.
إن البحث في التقنيات السابقة ليس إجراء ثانويا يسبق تقديم الطلب، بل هو في تقديري إحدى أهم المراحل في دورة حياة الاختراع، لأنه يجمع بين التقييم القانوني، والتحليل التقني، والجدوى الاقتصادية، ويوجه المخترع إلى السؤال الأهم: ما الذي أضفته فعلا إلى المعرفة التقنية القائمة؟
ما المقصود بالتقنيات السابقة؟
يقصد بالتقنيات السابقة (Prior Art) ما أصبح متاحا للجمهور من معارف وحلول تقنية قبل التاريخ المعتمد لتقييم الاختراع، سواء ورد في براءة اختراع، أو طلب منشور، أو بحث علمي، أو كتاب، أو وصف تقني، أو كشف علني بأي وسيلة معتبرة.
وفي النظام السعودي، نصت المادة الثالثة والأربعون من نظام براءات الاختراع والتصميمات التخطيطية للدارات المتكاملة والأصناف النباتية والنماذج الصناعية على ثلاثة شروط رئيسية لقابلية الاختراع للحصول على البراءة، وهي:
الجدة، والخطوة الابتكارية، والقابلية للتطبيق الصناعي.
أما المادة الرابعة والأربعون فقد وسعت مفهوم التقنية السابقة ليشمل كل ما تحقق الكشف عنه للجمهور في أي مكان، بالوصف المكتوب أو الشفهي أو الاستعمال أو بأي وسيلة أخرى يتحقق بها العلم بالاختراع، مع مراعاة تاريخ الإيداع أو الأسبقية والاستثناءات النظامية.
وتكمن أهمية هذا النص في أن معيار الجدة لا يتوقف عند الحدود الجغرافية للمملكة، ولا يشترط أن يكون الكشف السابق قد تم بموجب براءة اختراع مسجلة.
فقد يكون وصف منشور في جامعة أجنبية، أو دراسة تقنية متاحة للعموم، أو اختراع انتهت مدة حمايته، سببا في انتفاء الجدة عن اختراع لاحق إذا كشف عن عناصره على نحو يحقق شروط الاستناد إليه.
فالتقنية السابقة لا تفقد أثرها على الجدة لمجرد انتهاء الحماية القانونية عنها.
وهذه نقطة جوهرية؛ إذ يخلط البعض بين وجود حق حصري ساري المفعول على تقنية معينة وبين كون تلك التقنية معروفة من قبل. فقد تصبح التقنية متاحة للاستغلال من حيث حقوق البراءات بعد انقضاء الحماية، لكنها تظل جزءا من المعرفة السابقة التي لا يجوز احتكارها مجددا بذاتها عن طريق براءة لاحقة.
لماذا يجب أن يسبق البحث تطوير الاختراع وإيداع طلبه؟
تكمن القيمة الحقيقية للبحث الجيد في أنه يمنع اتخاذ قرارات مكلفة اعتمادا على افتراضات غير مختبرة.
1. التحقق من الجدة والخطوة الابتكارية
لا يكفي أن يكون المخترع قد توصل إلى الفكرة بصورة مستقلة، أو أنه لم يطلع على اختراع مشابه من قبل.
فالمعيار القانوني ليس ما يعرفه المخترع شخصيا، وإنما ما كان متاحا للجمهور من تقنيات سابقة.
كما أن عدم العثور على اختراع مطابق لا يعني بالضرورة تحقق الخطوة الابتكارية؛ فقد تكون الفروق مجرد تعديلات بديهية يستطيع الشخص المعتاد في المجال التقني التوصل إليها استنادا إلى المعارف السابقة.
2. توفير الوقت والجهد والأموال
إن تكلفة البحث المبكر، مهما بلغت، قد تكون محدودة مقارنة بتكاليف التطوير والتجارب وصياغة الطلب وترجمته وإيداعه وفحصه ومتابعته داخل المملكة وخارجها.
والأهم أن البحث قد يحول دون استثمار مبالغ كبيرة في حماية تقنية لا تتوافر فيها الشروط النظامية.
ولذلك ينبغي النظر إلى البحث بوصفه استثمارا في سلامة القرار، وليس عبئا ماليا إضافيا على المخترع.
3. تحسين الاختراع وتوجيه البحث والتطوير
قد تكون أعظم فائدة للبحث أنه يكشف للمخترع عما لم يتمكن الآخرون من معالجته.
فوثائق البراءات لا تقدم أوصافا للاختراعات فحسب، بل تتضمن غالبا خلفيات تقنية، ومشكلات، وحلولا، ورسومات، وتفاصيل تنفيذية يمكن الاستفادة منها في تطوير المعرفة وبناء حلول جديدة، مع مراعاة حقوق أصحاب البراءات السارية.
وهكذا يتحول البحث من وسيلة لاكتشاف العوائق إلى مصدر للأفكار وفرص الابتكار.
4. تحسين صياغة مطالبات الحماية
إن المعرفة بالتقنيات السابقة تساعد على تحديد السمات التقنية التي تميز الاختراع عما سبقه، وتؤثر تبعا لذلك في كيفية إعداد الوصف وصياغة مطالبات الحماية (Claims).
وهذا الجانب بالغ الأهمية؛ لأن القيمة القانونية للبراءة لا تتحدد بمجرد عنوانها أو وصف الفكرة العامة، وإنما بالنطاق الذي تقرره مطالبات الحماية وفق القواعد النظامية.
وقد تؤدي صياغة مطالبات واسعة بلا أساس ابتكاري كاف إلى الاعتراض عليها، في حين قد تفضي صياغة ضيقة بلا مبرر إلى حماية محدودة يسهل على المنافسين تطوير حلول خارج نطاقها.
5. تعزيز فرص الاستثمار والترخيص
عندما تعرض شركة ناشئة ابتكارها على مستثمر، فإن وجود دراسة موثقة للتقنيات السابقة يمنحه صورة أوضح عن موضع الابتكار، وحدود التميز، ومخاطر الحصول على الحماية.
كما تساعد تلك الدراسة في التعرف على المنافسين المحتملين، والشركات المالكة لتقنيات مكملة، وفرص الترخيص أو الشراكة أو نقل التقنية.
فالبحث الجيد لا يختبر إمكانية الحصول على براءة فحسب، بل يساهم أيضا في تقدير قيمتها الاقتصادية المحتملة.
البحث عن الجدة ليس هو البحث عن حرية الاستغلال
من أهم المسائل القانونية التي ينبغي التمييز بينها أن قابلية الاختراع للحصول على براءة لا تعني بالضرورة حرية تصنيعه أو بيعه أو استغلاله تجاريا.
فثمة فرق بين نوعين من البحث:
الأول: البحث عن التقنيات السابقة لتقييم قابلية الحصول على البراءة (Patentability Search).
ويهدف إلى معرفة ما إذا كان الاختراع جديدا ومنطويا على خطوة ابتكارية بالنظر إلى المعرفة السابقة ذات الصلة، دون الاقتصار على البراءات السارية أو على دولة بعينها.
الثاني: البحث عن حرية الاستغلال التجاري (Freedom to Operate – FTO).
ويهدف إلى تقييم احتمال تعارض منتج أو عملية يراد استغلالها مع حقوق براءات قائمة في الدول التي سيجري فيها التصنيع أو التسويق أو الاستيراد أو غير ذلك من أعمال الاستغلال.
ولتوضيح الفرق، لنفترض أن شركة طورت جهازا جديدا لمراقبة أداء المضخات، وأضافت إليه طريقة مبتكرة لتحليل الاهتزازات والتنبؤ بالأعطال.
قد تكون الطريقة الجديدة مؤهلة من حيث المبدأ للحصول على براءة مستقلة، لكن الجهاز الذي يستخدمها قد يشتمل على مكونات أو تقنيات أساسية محمية ببراءات سارية لأطراف أخرى.
في هذه الحالة قد تتمكن الشركة من حماية ابتكارها الجديد، لكنها تحتاج إلى دراسة حقوق الغير قبل استغلال المنتج، وربما إلى ترخيص أو تعديل في التصميم.
ومن هنا، فإن امتلاك براءة اختراع يمنح حقا في منع الغير من استغلال ما تحميه، لكنه لا يشكل بذاته تصريحا مطلقا باستغلال الاختراع دون اعتبار لحقوق الآخرين.
وهذا التمييز مهم للمخترعين، وأكثر أهمية للشركات التي تستعد للتصنيع التجاري أو دخول أسواق جديدة.
أين يبحث المخترع عن التقنيات السابقة؟
لم يعد البحث في وثائق البراءات مقتصرا على مكاتب متخصصة أو قواعد بيانات مرتفعة التكلفة؛ إذ تتوافر اليوم أدوات رسمية ودولية تتيح الوصول إلى قدر كبير من المعرفة التقنية المنشورة.
محرك بحث الملكية الفكرية السعودي
أتاحت الهيئة السعودية للملكية الفكرية محركا للبحث في بيانات الملكية الفكرية، يشكل نقطة انطلاق مهمة للمخترعين والباحثين والشركات في المملكة.
وتبرز أهميته في الاطلاع على وثائق البراءات والبيانات المتاحة، والاستفادة منها في البحث والتطوير، وتحليل التقنيات، ورصد نشاط المنافسين، والتعرف على فرص الترخيص.
ويمكن الوصول إليه من خلال موقع الهيئة:
https://www.saip.gov.sa/ar/resources/tools-and-research/ip-search-engine
غير أن الاعتماد على البحث الوطني وحده لا يكفي لتقييم الجدة، لأن التقنية السابقة قد تكون منشورة خارج المملكة.
قاعدة PATENTSCOPE التابعة للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)
تتيح هذه القاعدة البحث في طلبات البراءات الدولية المنشورة بموجب معاهدة التعاون بشأن البراءات (PCT)، ووثائق البراءات لدى مكاتب وطنية وإقليمية مشاركة، مع أدوات للبحث بالكلمات المفتاحية والتصنيفات التقنية وغيرها.
قاعدة Espacenet التابعة للمكتب الأوروبي للبراءات
تعد من أهم الأدوات للبحث العالمي في البراءات، وتتيح الاطلاع على وثائق تقنية واسعة النطاق، وتتبع عائلات البراءات والمراجع والاستشهادات المرتبطة بها، والاستفادة من بيانات الحالة القانونية المتاحة.
https://www.epo.org/en/searching-for-patents/technical/espacenet
محرك Google Patents
يمثل وسيلة ميسرة للبحث الأولي في وثائق البراءات المنشورة، والانتقال بين الوثائق ذات الصلة والاستشهادات المتبادلة.
منصة The Lens
تجمع بين البحث في البراءات والمصنفات العلمية، وتوفر أدوات تساعد على فهم الصلات بين الابتكارات والبحوث العلمية، وتحليل النشاط التقني والمؤسسي.
ولا ينبغي إغفال المصادر غير المرتبطة بالبراءات، مثل المجلات العلمية، وقواعد الأبحاث الجامعية، وأوراق المؤتمرات، والمواصفات التقنية، والأدلة الفنية المنشورة، والمستودعات البحثية المتخصصة.
فالخطأ الشائع هو البحث عن اختراع سابق داخل قواعد البراءات فقط، بينما قد تكون الوثيقة الأكثر تأثيرا في الجدة بحثا علميا لم يتقدم صاحبه أصلا بطلب براءة.
كيف تبحث بصورة صحيحة؟
ليست العبرة بعدد النتائج التي يعرضها محرك البحث، وإنما بالقدرة على الوصول إلى الوثائق الأقرب للاختراع وتحليلها.
ويبدأ البحث المهني بفهم الاختراع نفسه، وتحديد المشكلة التقنية التي يعالجها، والمكونات أو الخطوات التي يقوم عليها، والسمات التي يعتقد المخترع أنها جديدة.
ثم يمكن اتباع منهج بحث متدرج:
- تحديد جوهر الاختراع: وصف الحل التقني بلغة واضحة، بعيدا عن الاسم التجاري أو المزايا التسويقية العامة.
- توسيع المصطلحات: البحث بالعربية والإنجليزية، وبالأسماء العلمية والمرادفات والعبارات التي تصف الوظيفة التقنية، لا الاكتفاء بالمسمى الذي اختاره المخترع.
- استخدام التصنيفات الدولية: مثل التصنيف الدولي للبراءات (IPC) والتصنيف التعاوني (CPC)، لأن الوثائق المتشابهة تقنيا قد تستخدم مصطلحات مختلفة تماما.
- فحص الوثائق الأقرب: قراءة الوصف التفصيلي والرسومات ومطالبات الحماية، بدلا من الاعتماد على العنوان أو الملخص وحدهما.
- تتبع الاستشهادات وعائلات البراءات: للوصول إلى وثائق أقدم أو مرتبطة بالحل نفسه، والتمييز بين الاختراعات المختلفة والطلبات المتعددة المتعلقة بالاختراع الواحد.
- توثيق النتائج وتحليل الفروق: إعداد جدول مقارنة يحدد العناصر المشتركة والفروق التقنية ومدى أهميتها في تقييم الجدة والخطوة الابتكارية.
- إعداد خلاصة قانونية وتقنية: تبين النتائج والمخاطر والقيود والخيارات المتاحة، مع الإفصاح عن حدود البحث وعدم تقديم استنتاجات قطعية لا تسندها الأدلة.
ولنأخذ مثالا على ذلك: إذا كان الاختراع يتعلق بنظام للتنبؤ بأعطال المضخات، فإن البحث عن عبارة (نظام ذكي للمضخات) وحدها قد لا يقود إلى أهم الوثائق.
وقد تكون النتائج الأكثر صلة منشورة تحت مصطلحات مثل:
Predictive Maintenance, Condition Monitoring, Vibration Analysis, Fault Detection, Pump Diagnostics.
والأصل أن يبحث المختص عن الحل التقني ووظيفته وعناصره، لا عن الاسم الذي أطلقه المخترع عليه.
ماذا لو وجد المخترع تقنية مشابهة؟
إن العثور على اختراع مشابه لا يعني بالضرورة نهاية مشروع الحماية.
فقد تتشابه الاختراعات في الغاية أو المجال أو بعض المكونات، لكنها تختلف في وسائل التنفيذ أو السمات التقنية أو النتائج التي تتحقق نتيجة لهذه الفروق.
وهنا تظهر أهمية التحليل المتخصص؛ إذ ينبغي تحديد ما إذا كانت الوثيقة السابقة تكشف عن الاختراع المطالب بحمايته فعلا، وما إذا كانت الفروق تمثل خطوة ابتكارية أم مجرد تعديل بديهي.
وقد يقود البحث إلى إعادة توجيه المشروع نحو تحسين تقني جديد، أو تعديل نطاق الحماية المقترحة، أو استكمال التجارب لإثبات أثر تقني معين، أو اتخاذ قرار بعدم المضي في الإيداع.
وأحيانا تكون النتيجة الاقتصادية الأفضل هي الاستفادة من تقنية منشورة انتهت حمايتها، مع تطوير تطبيق تجاري لها بدلا من محاولة احتكار ما أصبح جزءا من المعرفة العامة.
ليس الهدف من البحث أن يثبت للمخترع أنه أول من فكر في الحل، بل أن يكشف له بدقة ما الذي يمكنه إضافته وما الذي يستطيع حمايته.
البحث وصياغة الطلب.. ارتباط أوجبه التنظيم السعودي
لا يقتصر الاهتمام بالتقنيات السابقة لدينا في النظام السعودي على مرحلة الفحص الموضوعي.
فالمادة الرابعة عشرة من اللائحة التنفيذية لنظام براءات الاختراع تقضي بأن يتضمن الوصف الكامل خلفية الاختراع، بما في ذلك المجال التقني، والتقنيات السابقة والوثائق التي يعلم بها المخترع، والمشكلات التي يسعى الاختراع إلى تجاوزها.
كما تنظم المادة الخامسة عشرة مطالبات الحماية، بما يوضح نطاق الحماية المطلوبة وعناصر الاختراع، ويتيح إبراز السمات الجديدة أو الابتكارية.
وتلزم المادة السابعة عشرة مقدم الطلب بتزويد الهيئة بصورة من تقارير البحث والفحص، وبما تطلبه من صور الطلبات السابقة أو البراءات الممنوحة عن الاختراع نفسه لدى مكاتب أخرى.
أما المادة الثامنة والثلاثون فتبين منهج الفحص الموضوعي الذي تتبعه الهيئة، بما يشمل تحديد الوثائق ذات الصلة، ومقارنتها بالاختراع، وتقييم الجدة والخطوة الابتكارية والقابلية للتطبيق الصناعي.
وهذا التنظيم يعكس أن دراسة التقنيات السابقة ليست مجرد توصية مهنية، وإنما عنصر مؤثر في إعداد الطلب وفحصه.
ومن الخطأ أن يترك المخترع هذه المرحلة بالكامل إلى الفاحص بعد الإيداع؛ لأن البحث المبكر يتيح تحسين الوصف والمطالبات قبل تقديم الطلب، بينما تقيد الأحكام النظامية إمكانية إدخال معلومات جديدة تتجاوز ما كشف عنه عند الإيداع.
ثلاثة احتياطات لا ينبغي إغفالها
أولها: البحث لا يمنح يقينا مطلقا.
حتى البحث المتقن قد لا يكشف عن جميع الوثائق ذات الصلة، ومنها طلبات لم تنشر بعد، أو معلومات تقنية كشفت للجمهور بطرق يصعب فهرستها، أو وثائق لا تتوافر كاملة في قواعد البحث المستخدمة.
ولهذا فإن عدم العثور على تقنية مشابهة مؤشر إيجابي، لكنه ليس شهادة نهائية بالجدة ولا ضمانا لمنح البراءة.
ثانيها: الحذر من الكشف عن الاختراع قبل إيداعه.
قد يكون نشر المخترع تفاصيل ابتكاره على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تقديم وصف كاشف له في مناسبة عامة، مؤثرا في شرط الجدة.
وقد حددت المادة الحادية والثلاثون من اللائحة التنفيذية حالات معينة لا يعد فيها الكشف داخلا ضمن التقنية السابقة، منها الكشف الناتج عن أعمال تعسفية خلال الأشهر الستة المحددة نظاما، والعرض في معرض دولي معترف به رسميا وفق الشروط والمدد المقررة.
لكن هذه استثناءات محددة، ولا يصح التعامل معها باعتبارها فترة سماح عامة تبيح نشر الاختراع قبل إيداعه دون تبعات.
كذلك فإن فترة الأسبقية البالغة اثني عشر شهرا لبراءات الاختراع تتعلق بالاستفادة من تاريخ طلب سابق مستوف للشروط، وليست إذنا عاما بالكشف العلني قبل تقديم أول طلب.
ثالثها: المحافظة على السرية أثناء البحث.
ينبغي للمخترع ألا يرسل التفاصيل الجوهرية لاختراعه غير المنشور إلى أطراف خارجية أو منصات تحليل رقمية دون تقييم مخاطر السرية وشروط معالجة البيانات.
ويزداد هذا الاحتياط أهمية مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي تستخدم في تحليل الوثائق وصياغة المقارنات التقنية.
فالاستفادة من التقنية في البحث لا ينبغي أن تؤدي إلى تعريض الابتكار نفسه لكشف غير مقصود.
البحث في التقنيات السابقة ليس للمخترعين وحدهم
ثمة فرصة مهمة أمام الشركات والجامعات والمراكز البحثية والمستثمرين للاستفادة من معلومات البراءات بما يتجاوز إجراءات التسجيل.
فالشركات تستطيع رصد الاتجاهات التقنية، ومعرفة المجالات التي يزداد فيها النشاط الابتكاري، والتعرف على التقنيات المنشورة التي يمكن تطويرها أو استغلالها بعد التحقق من وضعها القانوني.
ويمكن للجامعات توجيه البحوث التطبيقية نحو مشكلات لم تعالجها التقنيات المعروفة بالقدر الكافي، بدلا من تكرار جهود سبق بذلها.
أما المستثمرون فيستطيعون توظيف نتائج البحث في فحص الأصول التقنية للشركات الناشئة، وتقدير قوة محافظ براءات الاختراع، وتقييم مخاطر المنافسة والترخيص.
وتعرف هذه الممارسة المتقدمة بتحليل المشهد البراءاتي (Patent Landscape Analysis)، وهي لا تقتصر على تقييم اختراع منفرد، بل تدرس مجالات تقنية واسعة لتحديد الاتجاهات والجهات الفاعلة والفرص المحتملة.
وفي اقتصاد يسعى إلى تعظيم القيمة من المعرفة والبحث والتطوير، لا ينبغي أن تبقى قواعد بيانات البراءات مجرد سجلات للحقوق، بل يمكن أن تصبح مصدرا مهما لتوجيه الابتكار والاستثمار ونقل التقنية.
ابحث لتبتكر.. لا لتسجل فقط
إن القيمة الحقيقية للبحث في التقنيات السابقة لا تكمن في معرفة ما إذا كان هناك من سبق المخترع إلى فكرته فحسب، بل في اكتشاف ما الذي أنجزه الآخرون، وما الذي بقي دون حل، وكيف يمكن تقديم إضافة تقنية تستحق الحماية والاستثمار.
فالاختراع لا يبدأ بالضرورة من فكرة لم تخطر ببال أحد، بل قد يبدأ من فهم عميق للمعرفة القائمة، ثم معالجة قصورها أو تطويرها بصورة غير بديهية.
ومن هذا المنطلق، فإن البحث الجيد يوفر المال والوقت، ويحسن جودة طلبات البراءات، ويرشد قرارات البحث والتطوير، ويحد من المخاطر القانونية، ويكشف عن فرص الشراكات والترخيص والاستثمار.
وأرى أن من أهم ما ينبغي ترسيخه في ثقافة الابتكار السعودية ألا يكون السؤال الأول للمخترع: كيف أسجل براءة اختراع؟
بل أن يكون:
ماذا سبق اختراعي؟ وما الإضافة التقنية التي أقدمها؟ وما القيمة التي تستحق الحماية؟
فليس نجاح المخترع في إيداع طلب براءة اختراع، وإنما في بناء ابتكار له أساس تقني أصيل، وحماية قانونية ملائمة، وقيمة اقتصادية قابلة للنمو.
ابحث قبل أن تبتكر، وابحث قبل أن تحمي، وابحث قبل أن تستثمر.







