أبرز الإشكالات القانونية في عقود النشر، وكيف نبني علاقة عادلة تحمي المؤلف وتضمن استدامة دور النشر؟
هل يملك الناشر الكتاب لأنه تكفل بطباعته؟ وهل يحق للمؤلف الانتقال إلى دار نشر أخرى إذا لم تحقق الدار الأولى المبيعات المتوقعة؟ ومن يحدد عدد النسخ المطبوعة، ومن يراقب المبيعات، ولمن تعود حقوق الترجمة والنشر الإلكتروني والكتب الصوتية؟
تبدو هذه الأسئلة بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تكشف عن إشكالات قانونية وتجارية معقدة، تتكرر في العلاقة بين المؤلفين ودور النشر، وقد تتحول بسببها شراكة ثقافية واعدة إلى نزاع طويل حول الملكية والعوائد والالتزامات.
ولعل خصوصية هذه العلاقة أنها تجمع بين طرفين تختلف طبيعة إسهامهما؛ فالمؤلف يقدم نتاجه الفكري، بينما يقدم الناشر خبرته في التحرير والإنتاج والتسويق والتوزيع، ويتحمل في النموذج التقليدي للنشر المخاطر المالية والتجارية المرتبطة بإيصال الكتاب إلى القراء.
ولا تستقيم هذه العلاقة بتغليب مصلحة أحد الطرفين على الآخر؛ فالمؤلف يحتاج إلى ناشر قادر على تحويل مصنفه إلى منتج ثقافي يصل إلى الجمهور، والناشر يحتاج إلى ضمانات تعاقدية تمكنه من استرداد استثماراته وتحقيق عائد معقول.
لكن المشكلة تبدأ حين يختلط حق المؤلف في مصنفه بحق الناشر في استثماره، وحين تتحول عقود النشر من أدوات لتنظيم المصالح إلى مصدر للنزاعات.
وتزداد أهمية إعادة النظر في هذه العلاقة بعد صدور نظام حقوق المؤلف السعودي الجديد بالمرسوم الملكي رقم (م/169) لعام 1447هـ، المنشور في 13 فبراير 2026م، ولائحته التنفيذية المنشورة في 31 يوليو 2026م؛ إذ تضمن الإطار النظامي الجديد أحكاما مهمة تتصل بالعلاقات التعاقدية والتصرف في الحقوق والتقارير الدورية والتعدي على المصنفات.
أولا: هل يملك الناشر الكتاب أم يملك حق نشره؟
هذه نقطة الانطلاق في فهم كثير من النزاعات.
ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: ملكية المصنف الفكري، وملكية الحقوق المالية المتعلقة باستغلاله، وملكية النسخ المادية التي يجري إنتاجها وتداولها.
فكون دار النشر تحملت تكاليف الطباعة أو التصميم أو التسويق لا يعني بالضرورة انتقال ملكية الحقوق المالية للمصنف إليها، كما أن ظهور اسم الدار على الغلاف لا يجعلها مؤلفة للكتاب.
وقد أكدت المادة العشرون من اللائحة التنفيذية لنظام حقوق المؤلف استقلال حقوق المؤلف والحقوق المجاورة عن ملكية الشيء المادي الذي يتجسد فيه المصنف، وأن نقل ملكية ذلك الشيء لا يترتب عليه انتقال تلك الحقوق.
وبالتالي، فإن انتقال نسخة المخطوط إلى الناشر، أو تسليمه ملف الكتاب الإلكتروني، أو تحمله تكاليف إنتاجه، لا يكفي بذاته لإثبات ملكيته جميع الحقوق الفكرية الواردة عليه.
والتمييز هنا جوهري بين التنازل عن الحقوق المالية والترخيص باستغلالها.
فقد يتنازل المؤلف عن حقوق مالية محددة وفقا للتصرف النظامي، وقد يكتفي بمنح الناشر ترخيصا حصريا بطباعة الكتاب وتوزيعه لمدة معينة وفي نطاق جغرافي محدد، دون أن يفقد ملكيته لتلك الحقوق.
ومن وجهة نظري، فإن الترخيص المحدد غالبا ما يكون أكثر ملاءمة لعقود النشر المعتادة من التنازل الشامل، لأنه يحقق للناشر الاستقرار اللازم للاستثمار، ويحفظ للمؤلف حقوقه خارج النطاق المتفق عليه.
ثانيا: العقود الشاملة.. عندما يتنازل المؤلف عما لا يدرك قيمته
من أبرز الإشكالات التي تستحق الاهتمام تلك العبارات الواسعة التي قد تتضمنها عقود النشر، مثل:
(يمنح المؤلف دار النشر جميع حقوق استغلال المصنف بكافة الوسائل الحالية والمستقبلية، في جميع أنحاء العالم، طوال مدة الحماية النظامية).
هذه الصياغة قد تبدو مريحة للناشر، لكنها تحمل مخاطر كبيرة للطرفين.
فالمؤلف الذي يرغب في نشر كتاب ورقي قد يجد نفسه قد منح الدار كذلك حقوق النشر الإلكتروني، وإنتاج الكتاب الصوتي، والترجمة، والاقتباس الدرامي والسينمائي، وربما حقوق استغلال المصنف في منتجات رقمية لم تكن ضمن تصور الطرفين عند التعاقد.
والأكثر إشكالا أن بعض الحقوق قد لا تكون لدى الناشر قدرة فعلية على استثمارها.
فما الحاجة إلى منح دار نشر محلية حقوق ترجمة الكتاب إلى عشر لغات إذا لم تكن لديها إمكانات للوصول إلى الناشرين الدوليين؟
وما مصلحة المؤلف في تجميد حقوق تحويل روايته إلى عمل درامي لسنوات طويلة لدى ناشر لا يعمل في الإنتاج المرئي؟
إن المعيار الذي ينبغي أن يحكم منح الحقوق ليس اتساع طموح الناشر، وإنما قدرته الفعلية على استثمار الحق الممنوح.
ولذلك فإن الحل الأكثر اتزانا هو تجزئة الحقوق، بحيث يحدد العقد حقوق الطباعة الورقية والنشر الإلكتروني والصوتي والترجمة والاقتباس على نحو مستقل، مع بيان نطاق كل حق ومدته ومقابله.
ومن المهم التنبه إلى أن المادة الرابعة عشرة من نظام حقوق المؤلف الجديد تقضي ببطلان تنازل المؤلف عن مجموع إنتاجه الفكري المستقبلي، وهو حكم مختلف عن الترخيص بحقوق استغلال مصنف محدد؛ فلا يصح الخلط بين الحالتين.
ثالثا: العوائد المالية.. نسبة مئوية من ماذا؟
ربما كان هذا الإشكال من أكثر أسباب الخلاف بين المؤلفين والناشرين.
يتفق الطرفان مثلا على حصول المؤلف على نسبة 10% من مبيعات الكتاب، ثم يكتشفان أن لكل منهما فهما مختلفا لطريقة احتساب هذه النسبة.
هل تحتسب من سعر الغلاف؟
أم من السعر الفعلي بعد الخصومات؟
أم من المبلغ الذي تحصل عليه الدار من الموزع؟
أم من صافي الأرباح بعد خصم تكاليف الطباعة والتسويق والتخزين؟
والفارق ليس هينا.
فإذا كان سعر الكتاب 60 ريالا، فإن نسبة 10% من سعر الغلاف تعادل 6 ريالات للنسخة. أما إذا احتسبت النسبة من صافي متحصلات الناشر البالغة 30 ريالا، فإن العائد ينخفض إلى 3 ريالات.
وليس أحد النموذجين غير مشروع لمجرد اختلاف أساس الاحتساب؛ وإنما الإشكال في عدم تحديد هذا الأساس عند التعاقد.
وتزداد المسألة تعقيدا مع الخصومات التي تقدمها دور النشر في معارض الكتب، ومبيعات الجملة، والنسخ التي تعاد من المكتبات، والمبيعات الإلكترونية، والنسخ المخصصة للإهداء والترويج.
كما يظهر نموذج مختلف في النشر الممول من المؤلف، إذ يتحمل المؤلف تكاليف الطباعة والإنتاج، ومع ذلك قد تحتفظ دار النشر بنسبة كبيرة من عوائد البيع، دون أن تكون حدود خدماتها واضحة.
هنا يصبح السؤال الاقتصادي والقانوني مشروعا: هل نتحدث عن عقد نشر يتقاسم فيه الطرفان المخاطر والعوائد، أم عقد خدمات إنتاج وطباعة وتوزيع يدفع المؤلف مقابله؟
إن الاختلاف بين هذين النموذجين ليس مجرد تسمية تجارية، بل ينعكس على توزيع المخاطر وملكية المخزون وحقوق الاستغلال وآلية المحاسبة.
والحل أن يحدد العقد بدقة طبيعة المقابل المالي، وأساس احتساب النسبة، والتكاليف القابلة للخصم، وطريقة التعامل مع المرتجعات والخصومات، ومواعيد السداد.
رابعا: كم نسخة طبعت؟ وكم نسخة بيعت؟ ومن يملك الحقيقة؟
من أبرز مواطن اختلال التوازن بين المؤلف والناشر أن المعلومات المتعلقة بالطباعة والتوزيع والمبيعات تكون غالبا تحت سيطرة الناشر.
قد يتفق الطرفان على طباعة ألف نسخة، ثم تحقق الطبعة الأولى نجاحا تجاريا يدفع الناشر إلى إعادة الطباعة.
لكن كيف يعرف المؤلف أن طبعة جديدة قد صدرت بالفعل؟
وكيف يتحقق من عدد النسخ؟
وكيف يميز بين النسخ المباعة والنسخ الموزعة للمكتبات والنسخ المعادة والنسخ التي لا تزال في المستودعات؟
لا يكفي في مثل هذه الحالات أن يخبر الناشر المؤلف شفهيا بأن المبيعات كانت ضعيفة أو أن النسخ نفدت.
ومن التطورات المهمة في التنظيم السعودي الجديد أن المادة الثانية والعشرين من اللائحة التنفيذية أوجبت تنظيم العلاقات التعاقدية بعقود مكتوبة، تتضمن، من بين أمور أخرى، بيان المقابل المالي أو نسبة العائد وآلية السداد، وحق أصحاب الحقوق في الاطلاع على التقارير الدورية لاستغلال المصنف.
وهذا النص يستحق اهتماما خاصا، لأنه يعزز الشفافية في العلاقة بين المؤلف والناشر، ويجعل الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالاستغلال جزءا من تنظيم العلاقة التعاقدية.
غير أن النص على حق الاطلاع على التقارير لا يغني عمليا عن الاتفاق على تفاصيلها.
ولذلك أقترح أن يتضمن عقد النشر التزاما بتقديم تقرير نصف سنوي على الأقل، يبين الكميات المطبوعة، والمبيعات، والمرتجعات، والمخزون، والإيرادات المستحقة، والمبالغ المسددة.
كما ينبغي تقرير حق المؤلف، عند وجود مبررات جدية، في تكليف محاسب مستقل بفحص السجلات ذات الصلة بمبيعات مصنفه، مع ضوابط لحماية الأسرار التجارية للناشر.
وهذه ليست فكرة جديدة؛ فقد خصص النموذج الاسترشادي لعقود النشر لدى جمعية المؤلفين الأمريكية (Authors Guild) أحكاما مفصلة لكشوف العوائد وحق المراجعة المحاسبية، بما يعكس أهمية هذا الجانب في الممارسات المهنية الدولية.
خامسا: إعادة الطباعة.. متى تتحول إلى اعتداء؟
يظهر هذا الإشكال حين ينفد مخزون الكتاب وتقرر دار النشر إعادة طباعته دون الرجوع إلى المؤلف.
وقد تعتقد الدار أن عقد النشر الأول يمنحها الحق في إعادة الطباعة بصورة غير محدودة.
والحقيقة أن الحكم القانوني يتوقف على نطاق الحقوق الممنوحة بموجب العقد.
فإذا كان الترخيص يشمل إعادة الطباعة طوال مدته، فلا يستلزم الأمر بالضرورة الحصول على موافقة جديدة لكل طبعة، ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك.
أما إذا اقتصر الترخيص على طبعة محددة أو كمية معينة، فإن تجاوز هذا النطاق يثير مسؤولية الناشر.
وقد نصت المادة السابعة والأربعون من نظام حقوق المؤلف الجديد، ضمن المخالفات المعاقب عليها، على قيام المنتج أو الناشر أو الطابع بإعادة طبع المصنف دون إذن مسبق من أصحاب الحقوق يخوله ذلك.
ومن المهم إدراك أن المخالفات المنصوص عليها في هذه المادة قد تصل عقوبتها إلى السجن مدة لا تزيد على سنة، وغرامة لا تزيد على مليون ريال، أو إحدى العقوبتين، مع مراعاة أركان المخالفة وظروفها.
لذلك ينبغي أن يتضمن عقد النشر آلية واضحة لإعادة الطباعة، تحدد صلاحية الناشر في إصدار طبعات جديدة، وواجب الإشعار، وكيفية توثيق الكميات الجديدة واحتساب عوائدها.
فالفرق بين إعادة طباعة مشروعة واعتداء على حق المؤلف قد يكمن في عبارة تعاقدية واحدة.
سادسا: الكتاب الذي لا ينشر.. والحقوق التي لا تعود
تصور مؤلفا وقع عقدا حصريا مع دار نشر، وسلم مخطوطه النهائي، وانتظر صدور الكتاب.
تمر سنة، ثم سنتان، دون نشر الكتاب.
وحين يرغب في الانتقال إلى ناشر آخر، تتمسك الدار بالعقد وتؤكد أن الحقوق لا تزال لديها.
وتظهر المشكلة نفسها عندما يصدر الكتاب بالفعل، ثم يتوقف الناشر عن إعادة طباعته أو توزيعه، دون أن يعيد للمؤلف حقوق استغلاله.
وهنا يظهر أحد أخطر اختلالات عقود النشر: احتفاظ الناشر بحق حصري لا يمارسه، مع حرمان المؤلف من ممارسة الحق نفسه.
والحل يبدأ من تحديد موعد ملزم لنشر الطبعة الأولى، يرتبط بتسلم المخطوط النهائي واعتماده، مع وضع جزاء تعاقدي مناسب عند الإخلال بهذا الالتزام.
كما ينبغي النص على حالات انتهاء الترخيص وعودة الحقوق إلى المؤلف، سواء بسبب عدم النشر، أو التوقف الفعلي عن التوزيع، أو انخفاض المبيعات إلى مستوى متفق عليه، أو إخلال الناشر بالتزاماته الجوهرية وعدم معالجتها بعد إشعاره.
وفي البيئة الرقمية تظهر إشكالية أكثر تعقيدا.
فقد يكون الكتاب متاحا نظريا عبر إحدى المنصات الإلكترونية، بينما لا يحقق أي مبيعات تذكر.
فهل يكفي هذا التوفر الشكلي لاستمرار احتفاظ الناشر بالحقوق الحصرية؟
من وجهة نظري، لا ينبغي ربط عودة الحقوق بمجرد نفاد النسخ الورقية أو استمرار توفر نسخة إلكترونية، وإنما بمعايير موضوعية تدل على وجود استغلال تجاري فعلي.
وقد تبنت جمعية المؤلفين الأمريكية وجمعية المؤلفين البريطانية مقترحات تعاقدية تقوم على استرداد الحقوق عند عدم استغلالها أو تراجع استغلالها إلى مستويات متدنية، بدلا من الاكتفاء بالمفهوم التقليدي لنفاد الطبعة. وهي ممارسات استرشادية قابلة للاستفادة منها في العقود السعودية، وليست قواعد سعودية تمنح المؤلف حق الاسترداد تلقائيا في جميع الحالات.
سابعا: التحرير والتعديل.. أين تنتهي صلاحيات الناشر وتبدأ حقوق المؤلف؟
قد يتسلم الناشر مخطوطا يتطلب مراجعة لغوية أو تحريرا أو إعادة ترتيب بعض الأجزاء.
وهذا من صميم العمل المهني لدور النشر.
لكن الخلاف يظهر عندما يجري الناشر تعديلات جوهرية في الكتاب دون موافقة المؤلف، كحذف فصول، أو تغيير مواقف وردت فيه، أو تعديل خاتمة رواية، أو اختيار عنوان جديد يغير دلالتها.
والأصل أن الحقوق الأدبية للمؤلف تتمتع بحماية مستقلة عن الحقوق المالية.
فقد نصت المادة السابعة من نظام حقوق المؤلف الجديد على حقوق المؤلف الأدبية، ومنها نسبة المصنف إليه، والاعتراض على التعديل الذي ينطوي على تشويه أو تحريف أو مساس من شأنه الإضرار بسمعته.
كما قررت أن هذه الحقوق أبدية، وغير خاضعة للتقادم، ولا تقبل التنازل أو التصرف فيها، ولا تسقط بمنح حق الاستغلال المالي.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن كل تعديل لغوي أو تحريري يتطلب بالضرورة موافقة مستقلة بحكم النظام، أو أن للمؤلف سلطة مطلقة في تعطيل العمل التحريري المتفق عليه.
ولهذا أرى أهمية التفريق تعاقديا بين التعديلات الفنية المعتادة، التي تدخل ضمن صلاحيات الناشر، والتعديلات الجوهرية التي تمس مضمون المصنف أو بنيته أو رسالته، والتي تستلزم موافقة المؤلف.
ومن المناسب كذلك تحديد آلية اعتماد النسخة النهائية قبل الطباعة، وتنظيم مسؤولية الطرفين عن الأخطاء العلمية أو الوقائعية أو القانونية التي قد تظهر في الكتاب.
وفي المقابل، ينبغي التنبه إلى أن حق المؤلف في سحب المصنف من التداول بعد التصرف في حق استغلاله ليس حقا مطلقا يمارس بمجرد الرغبة؛ إذ نظمت المادة الثامنة من النظام طلب المنع أو السحب أمام المحكمة المختصة بناء على أسباب جدية، مع إمكان تعويض من آلت إليه حقوق الاستغلال المالي إذا أجيب الطلب.
ثامنا: الترجمة والكتب الصوتية.. حقوق مستقلة لا ملحقات مجانية
لم يعد الكتاب مجرد أوراق بين غلافين.
فالكتاب الواحد قد يتحول إلى نسخة إلكترونية، وكتاب صوتي، وترجمة بلغات متعددة، أو مادة تعليمية وتدريبية، وقد يصبح أساسا لعمل سينمائي أو درامي.
وكل صورة من صور الاستغلال هذه قد تمثل سوقا مستقلة وعائدا ماليا مختلفا.
ومن ثم، فإن الترخيص بالنشر الورقي لا ينبغي افتراض امتداده تلقائيا إلى بقية أوجه الاستغلال دون سند تعاقدي يخوله ذلك.
وتكتسب الترجمة أهمية خاصة؛ لأنها تثير طبقتين من الحقوق: حقوق مؤلف المصنف الأصلي، وحقوق المترجم فيما أبدعه من صياغة مترجمة تستوفي متطلبات الحماية.
فحصول دار النشر على حق ترجمة كتاب أجنبي لا يحسم وحده ملكية الحقوق المتعلقة بالترجمة العربية المنتجة، ولا يغني عن تنظيم علاقتها بالمترجم.
كما أن امتلاك حقوق ترجمة الكتاب إلى العربية لا يمنح بالضرورة الحق في إعادة ترجمته إلى لغة ثالثة أو استغلاله في نسخ صوتية أو رقمية خارج النطاق المتفق عليه.
وقد أوضحت اللائحة التنفيذية أن المصنفات المشتقة تشمل الترجمات والتلخيصات والشروح والتحقيقات وغيرها من أوجه التحوير، دون إخلال بحقوق مؤلفي المصنفات الأصلية.
ومن المهم أيضا التمييز بين الترخيص التعاقدي بالترجمة وبين الترخيص الإجباري الذي نظمه النظام ولائحته بشروط محددة ولأغراض تعليمية أو بحثية غير ربحية، فلا يجوز التعامل معه باعتباره طريقا عاما لتجاوز موافقة أصحاب حقوق الكتب الأجنبية لأغراض النشر التجاري المعتاد.
تاسعا: أغلفة الكتب والصور والرسوم.. حقوق لأطراف لا تظهر في العقد
قد تنشأ إشكالات حقوق المؤلف حتى عندما تكون العلاقة بين المؤلف والناشر مستقرة.
فالغلاف الذي صممه مصمم مستقل، والصور التي التقطها مصور فوتوغرافي، والرسوم التوضيحية التي أعدها فنان، كلها قد تكون مصنفات تتمتع بحماية مستقلة.
وإذا لم تنظم حقوق استغلال هذه العناصر فقد يجد الناشر نفسه غير قادر على استخدامها في طبعة جديدة، أو في نسخة مترجمة، أو في حملة تسويقية.
وقد يثور نزاع آخر عندما يرغب المؤلف في الانتقال إلى ناشر جديد مع الاحتفاظ بالغلاف السابق أو الرسوم المستخدمة في الطبعة الأولى.
والأكثر دقة قانونيا أن المسألة لا تتعلق فقط بمن تحمل تكاليف هذه الأعمال، وإنما بمن يملك حقوقها المالية، وما نطاق الترخيص أو الاتفاق الذي يحكم استغلالها.
وهنا تبرز مسألة تستحق القراءة القانونية المتأنية في التنظيم الجديد؛ إذ تنص المادة الثامنة عشرة من النظام، في شأن المصنف المبتكر لحساب شخص آخر، على عودة الحقوق المالية للمؤلف ما لم يتفق على غير ذلك، بينما تتناول المادة الخامسة عشرة من اللائحة المصنف المبتكر بموجب عقد خاص مع شخص لا تربطه بالمؤلف علاقة عمل، وتقرر أيلولة الحقوق المالية لذلك الشخص ما لم يتضمن العقد نصا صريحا بخلاف ذلك.
وهذا التفاوت الظاهر في الصياغة يثير مسألة تفسيرية تتطلب مراعاة التدرج النظامي والتكييف الصحيح للعلاقة التعاقدية، ويؤكد أهمية النص الصريح على ملكية الحقوق في عقود التصميم والترجمة والرسوم والتحرير، بدلا من ترك المسألة للاستنتاج من دفع الأتعاب وحده.
عاشرا: الذكاء الاصطناعي.. إشكال جديد في علاقة قديمة
إذا كانت عقود النشر التقليدية تركز على عدد النسخ الورقية، فإن عقود المستقبل ستحتاج إلى معالجة صور جديدة من الاستغلال.
هل يحق للناشر إتاحة مخطوط المؤلف لإحدى منصات الذكاء الاصطناعي؟
وهل يجوز استخدام الكتاب في تطوير نموذج لغوي؟
وهل يجوز تحويله إلى كتاب صوتي بصوت اصطناعي؟
وهل يستطيع الناشر استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج ترجمة أو مختصر تجاري للكتاب؟
هذه المسائل ليست متطابقة من الناحية القانونية.
واللافت أن نظام حقوق المؤلف السعودي الجديد تناول استخدام المصنفات لأغراض تطوير منتجات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، إذ أجازت المادة السادسة والعشرون، في نطاق محدد وبشروط، نسخ المصنف الأصلي لهذا الغرض.
وجاءت المادة الثلاثون من اللائحة التنفيذية لتضع ضوابط إضافية، منها الاقتصار على القدر اللازم، وعدم امتداد الاستثناء إلى إعادة النشر أو التوزيع أو الاستغلال التجاري المباشر، وعدم الإضرار غير المبرر بمصالح المؤلف المشروعة.
وبالتالي، لا يصح إطلاق القول بأن كل استخدام لمصنف محمي في تطوير الذكاء الاصطناعي ممنوع دون ترخيص، كما لا يصح اعتبار الاستثناء إذنا مفتوحا لجميع أوجه الاستغلال.
ومن المناسب أن تتضمن عقود النشر أحكاما مستقلة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في التحرير والترجمة والإنتاج الصوتي وتوليد المحتوى المشتق، والتراخيص التجارية للبيانات والمصنفات، مع مراعاة الاستثناءات النظامية التي لا يجوز إهدارها بمجرد صياغة تعاقدية.
حادي عشر: ماذا يحدث عندما يفلس الناشر أو يتوقف عن النشاط؟
قد يكون هذا من أكثر الإشكالات التي يغفل عنها المؤلف عند التوقيع.
فبعض دور النشر قد تتوقف عن النشاط لأسباب مالية أو إدارية، أو تتغير ملكيتها، أو تنقل بعض أصولها إلى منشأة أخرى.
وقد يبقى لدى الناشر مخزون من الكتب، وحقوق تعاقدية حصرية، ومبالغ مستحقة للمؤلفين، واتفاقيات توزيع قائمة.
وفي هذه الحالة تبرز عدة أسئلة:
هل يستطيع المؤلف استعادة حقوقه؟
ومن يملك النسخ المتبقية؟
وهل يجوز انتقال عقد النشر إلى ناشر آخر؟
وهل يظل المؤلف مستحقا لعوائد المبيعات السابقة؟
وهنا ينبغي التفريق بين ملكية الحقوق المالية المنقولة إلى الناشر وبين الحقوق التي منحت له على سبيل الترخيص، مع مراعاة طبيعة العقد وأحكام الإفلاس والحقوق القائمة للغير.
ومن أنجع المعالجات الاستباقية تضمين العقد أحكاما واضحة بشأن التوقف عن النشاط، والإخلال الجوهري، وانتقال الحقوق، وفسخ العقد أو إنهائه، والتصرف في النسخ المتبقية.
كما يجب ألا يقتصر العقد على تقرير عودة الحقوق نظريا، بل ينبغي تنظيم آثار الإنهاء عمليا، بما يشمل تصفية الحسابات، وتسوية المخزون، وإزالة النسخ الرقمية من المنصات وفقا للحقوق القائمة، وتسليم المواد اللازمة لاستمرار استغلال المصنف بصورة مشروعة.
ثاني عشر: كيف تعالج النزاعات عندما تقع؟
من المهم التمييز بين النزاع التعاقدي والاعتداء على حقوق المؤلف.
فإذا امتنع الناشر عن سداد العوائد المستحقة، فقد نكون أمام إخلال تعاقدي تترتب عليه المطالبة بالوفاء أو التعويض أو غير ذلك من الجزاءات التي يتيحها العقد والأنظمة ذات العلاقة.
أما إذا أعاد الناشر طباعة كتاب خارج نطاق الترخيص، أو استغل حقوقا لم تمنح له، فقد يشكل ذلك تعديا على حقوق المؤلف، مع إمكان قيام المسؤولية الجزائية عند توافر أركان إحدى المخالفات المنصوص عليها نظاما.
وقد أعطت المادة الحادية والخمسون من نظام حقوق المؤلف لصاحب الحق المتضرر إمكانية رفع دعوى للمطالبة بوقف التعدي والتعويض، بما يشمل الأرباح التي جناها المتعدي من التعدي.
كما أجازت المادة الثانية والخمسون للمحكمة المختصة اتخاذ إجراءات مؤقتة عاجلة، منها وقف الطباعة أو النشر أو التوزيع والحجز التحفظي، وفقا للشروط النظامية.
ومع ذلك، فإن اللجوء إلى القضاء ينبغي ألا يكون الوسيلة الأولى لمعالجة كل خلاف بين المؤلف والناشر.
فكثير من هذه النزاعات يتعلق بالمحاسبة أو تفسير العقد أو تحديد نطاق الترخيص، ويمكن معالجته بوسائل أقل تكلفة وأسرع أثرا، مثل التفاوض المنظم والوساطة والتسوية التعاقدية.
ومن المفيد أن يتضمن العقد آلية متدرجة لتسوية النزاعات، تبدأ بالإشعار الكتابي وتحديد مهلة لمعالجة الإخلال، ثم الوساطة أو غيرها من الوسائل المتفق عليها، وصولا إلى القضاء المختص عند تعذر التسوية، دون تعطيل الحق في طلب الحماية القضائية العاجلة عند الحاجة.
نحو عقد نشر عادل.. ما الذي ينبغي أن يتغير؟
أعتقد أن تطوير العلاقة بين المؤلفين ودور النشر في المملكة لا يتطلب مزيدا من النصوص النظامية بقدر ما يتطلب تطوير الممارسات التعاقدية والمهنية التي تحكم القطاع.
فقد وضع نظام حقوق المؤلف الجديد ولائحته التنفيذية أساسا مهما لتنظيم الحقوق والتصرفات والعلاقات التعاقدية.
لكن جودة التنظيم لا تكتمل إلا بوجود عقود واضحة، وآليات شفافة للمحاسبة، وثقافة مهنية تنظر إلى العلاقة باعتبارها شراكة استثمارية في أصل فكري، لا مجرد اتفاق لطباعة أوراق وتوزيعها.
وفي تقديري، فإن أنجع الحلول تتمثل في تبني نموذج استرشادي سعودي لعقود النشر، تشارك في تطويره الجهات المعنية بالملكية الفكرية وقطاع النشر وممثلو المؤلفين والناشرين.
ولا أقصد بذلك فرض عقد موحد على جميع التعاملات؛ فطبيعة النشر الأكاديمي تختلف عن النشر الأدبي والتجاري، كما تختلف عقود النشر الممول من المؤلف عن عقود النشر التقليدي.
وإنما المقصود وضع معايير تعاقدية مرجعية تعالج المسائل الأكثر إثارة للنزاع، وتتيح للأطراف التفاوض على المصالح التجارية دون إغفال الحقوق الأساسية.
وأرى أن هذه المعايير ينبغي أن تقوم على المبادئ التالية:
تحديد الحقوق بدلا من التنازل الشامل: بحيث يمنح الناشر ما يحتاج إليه فعليا من حقوق استغلال المصنف، مع تحديد وسائط النشر والمدة والنطاق الجغرافي والحصرية والحقوق الفرعية.
ربط الحصرية بالاستغلال الفعلي: فلا تتحول حقوق النشر الحصرية إلى وسيلة لتعطيل المصنف، مع وضع مؤشرات واضحة لأداء الناشر وحالات استرداد الحقوق.
شفافية العوائد والمبيعات: عبر تقارير دورية مفصلة وآلية لمراجعة الحسابات والتحقق من الكميات المطبوعة والمباعة والمخزنة والمرتجعة.
توزيع المخاطر بحسب نموذج النشر: فإذا كان المؤلف يتحمل كامل تكلفة الإنتاج، فلا ينبغي التعامل معه تعاقديا كما لو كان الناشر هو من يتحمل المخاطر الاستثمارية ذاتها، دون النظر إلى الخدمات والمخاطر التي يتحملها كل طرف.
حماية الحقوق الأدبية مع ضمان التحرير المهني: بوضع صلاحيات واضحة للتحرير والتصميم والاعتماد النهائي، دون تعطيل العمل المهني أو المساس بحقوق المؤلف المحمية.
تنظيم الحقوق الرقمية والمستقبلية بصورة مستقلة: خصوصا الكتب الإلكترونية والصوتية والترجمات والاقتباسات واستخدامات الذكاء الاصطناعي، بدلا من إلحاقها تلقائيا بحق النشر الورقي.
تنظيم الخروج من العلاقة: من خلال أحكام واضحة لانتهاء الترخيص وإعادة الحقوق وتسوية المخزون والعوائد والتراخيص الفرعية، بما يضمن عدم احتجاز المصنف بعد انتهاء العلاقة.
إقرار آليات فعالة لتسوية النزاعات: تحافظ على المصالح التجارية والحقوق الفكرية، وتحد من انتقال كل خلاف محاسبي أو تعاقدي إلى خصومة قضائية طويلة.
وتبدو هذه المعايير أكثر إلحاحا مع تنامي دور النشر السعودية، واتساع المشاركة في معارض الكتب، وتزايد اهتمام المؤلفين بالنشر المستقل والترجمة والأسواق الدولية، وتعدد الوسائط التي يمكن استثمار المصنف من خلالها.
خاتمة: الكتاب ليس سلعة عادية.. والناشر ليس مجرد مطبعة
من الخطأ النظر إلى الناشر باعتباره طرفا يستفيد من إبداع المؤلف دون أن يقدم قيمة مضافة؛ فالنشر الناجح صناعة تقوم على الخبرة والمخاطرة والاستثمار، وتحتاج إلى حماية حقوق الناشر بقدر حاجتها إلى حماية المؤلف.
وفي المقابل، من الخطأ اعتبار تحمل تكاليف الطباعة أو التوزيع مبررا للاستحواذ على جميع حقوق المصنف أو الاحتفاظ بها دون استغلال فعلي.
فالمؤلف والناشر لا يتنازعان بالضرورة على أصل اقتصادي محدود، بل يستطيعان من خلال علاقة عادلة توسيع قيمته وتعظيم عوائده.
وإذا كان المؤلف هو من يمنح الكتاب مضمونه وقيمته الفكرية، فإن الناشر المحترف هو من يمنحه القدرة على الانتشار والوصول إلى الأسواق.
والعقد الناجح ليس الذي يمنح الناشر أكبر قدر من الحقوق، ولا الذي يفرض عليه أكبر قدر من القيود؛ وإنما الذي يربط الحقوق بالالتزامات، والعوائد بالمخاطر، والحصرية بالاستثمار الفعلي.
ولعل أهم تحول يحتاج إليه سوق النشر هو الانتقال من ثقافة (من يملك الكتاب؟) إلى ثقافة (كيف نستثمر حقوق الكتاب بصورة عادلة ومستدامة؟).
فالكتاب الذي يحتفظ ناشره بحقوقه دون أن ينشره أو يسوقه، يخسر قيمته الثقافية والاقتصادية. والكتاب الذي لا يمنح ناشره ضمانات كافية لاسترداد استثماره قد لا يجد من يتبنى نشره ابتداء.
وبين هذين الطرفين تتجلى وظيفة القانون: ألا يحمي الإبداع من الاستغلال غير المشروع فحسب، بل أن يوفر كذلك البيئة التعاقدية التي تجعل استثماره مشروعا ومجديا.
المراجع
- نظام حقوق المؤلف السعودي الجديد الصادر عام 1447هـ، المنشور في جريدة أم القرى: https://www.uqn.gov.sa/details?p=28845
- اللائحة التنفيذية لنظام حقوق المؤلف الصادرة عام 1448هـ.
- النموذج الاسترشادي لعقود النشر لدى جمعية المؤلفين الأمريكية (Authors Guild): https://go.authorsguild.org/contract_sections/10
- دليل عقود النشر لدى جمعية المؤلفين البريطانية (Society of Authors): https://www.societyofauthors.org/wp-content/uploads/2022/03/Guide-to-Publishing-Contracts.pdf







