متى يصبح التشابه بين علامتين تضليلا للمستهلك؟

أوجه التشابه والاختلاف، والانطباع العام، ومعايير إثبات اللبس في منازعات العلامات التجارية

قد يغير أحد التجار اسم العلامة التجارية، ويضيف إليها كلمات جديدة، ويعدل بعض ألوانها وتفاصيلها، ثم يعتقد أنه بذلك أصبح بمنأى عن انتهاك علامة منافسه. وقد يحدث العكس؛ فيعترض مالك علامة تجارية على علامة أخرى لمجرد اشتراكهما في كلمة مألوفة أو عنصر بصري شائع، معتقدا أن تسجيله السابق يمنحه حقا استئثاريا في ذلك العنصر.

وفي الحالتين، قد يكون التصور القانوني غير صحيح.

فالتشابه بين العلامات التجارية لا يقاس بعدد الحروف المتطابقة، ولا بمقدار الاختلاف في الألوان والخطوط، ولا حتى بمجرد اشتراك علامتين في عنصر من عناصرهما. وإنما تدور المسألة حول سؤال أكثر جوهرية: هل من شأن العلامة اللاحقة، عند استعمالها في السوق، أن تحدث لبسا لدى المستهلك بشأن المصدر التجاري للسلع أو الخدمات، أو أن تولد لديه اعتقادا بوجود ارتباط تجاري لا حقيقة له؟

ومن هنا نشأت إحدى أهم القواعد في منازعات العلامات التجارية: العبرة بأوجه التشابه المؤثرة في الانطباع العام، لا بأوجه الاختلاف الشكلية التي لا تبدد احتمال التضليل.

غير أن فهم هذه القاعدة يتطلب الوقوف على حدودها؛ حتى لا تتحول إلى وسيلة لاحتكار عناصر لا تستحق الحماية منفردة، أو إلى ذريعة للتوسع في منع المنافسة المشروعة.

أولا: التضليل ليس أثرا عارضا للتشابه، بل هو جوهر الحماية

العلامة التجارية تؤدي وظيفة أساسية تتمثل في تمكين المستهلك من تمييز سلع أو خدمات منشأة عن سلع أو خدمات المنشآت الأخرى.

وعليه، فإن الحماية النظامية لا تقف عند حماية الرسم أو الاسم المسجل بوصفه شكلا مجردا، بل تمتد إلى حماية وظيفته في الدلالة على المصدر التجاري.

وقد جاءت المادة الثالثة من قانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، المطبق في المملكة، لتمنع تسجيل العلامات المطابقة أو المشابهة لعلامات سبق إيداعها أو تسجيلها عن السلع أو الخدمات ذاتها أو عن سلع أو خدمات ذات صلة، متى كان من شأن استعمال العلامة اللاحقة توليد انطباع بالربط بينها وبين سلع أو خدمات مالك العلامة السابقة أو الإضرار بمصالحه.

أما المادة (17/2)، فقد قررت الحق الاستئثاري لمالك العلامة المسجلة في منع استعمال العلامات أو الإشارات المماثلة أو المشابهة لها في سياق التجارة، بالنسبة إلى السلع أو الخدمات ذات الصلة، إذا كان من المحتمل أن يؤدي هذا الاستعمال إلى إحداث لبس لدى الجمهور.

واللافت أن النص لم يشترط تحقق التضليل فعليا في جميع الحالات، بل اكتفى باحتمال حدوثه، وقرر افتراض اللبس عند استعمال العلامة ذاتها أو علامة مشابهة لها لتمييز سلع أو خدمات مماثلة.

وهنا يظهر التمييز بين أمرين:

التضليل الفعلي: أن يثبت أن مستهلكا اعتقد بالفعل أن المنتج أو الخدمة يعود إلى منشأة أخرى، أو يرتبط بها تجاريا.

احتمال التضليل: أن تكون ظروف التشابه والاستعمال كافية لترجيح وقوع المستهلك العادي في ذلك الاعتقاد، ولو لم يقدم صاحب العلامة حالة محددة لمستهلك وقع فعليا في اللبس.

والأصل في الحماية الوقائية للعلامات التجارية أنها لا تنتظر بالضرورة وقوع الخطأ ثم تسعى إلى تداركه؛ بل تعمل على منع استعمال من شأنه إحداث ذلك الخطأ ابتداء.

وينبغي التمييز هنا بين التضليل الناشئ عن الخلط بين علامتين، والتضليل المتعلق ببيانات المنتج ذاته، كالإيحاء الكاذب بمنشئه أو مصدره أو صفاته. فكلاهما مما يتناوله النظام، لكن لكل منهما أساسه وظروف إثباته.

ثانيا: من هو المستهلك الذي يقاس عليه احتمال التضليل؟

من أكثر المسائل تأثيرا في تقدير التشابه تحديد الشخص الذي يتخذ منظوره معيارا للمقارنة.

فهل يقاس التشابه بعين خبير التصميم؟ أم بعين رجل القانون؟ أم بالمستهلك الذي يتخذ قرار الشراء في ظروف السوق المعتادة؟

الأقرب إلى وظيفة العلامة التجارية هو المستهلك العادي من الفئة المعنية بالسلع أو الخدمات.

وهو ليس المستهلك شديد الانتباه الذي يفحص أدق تفاصيل التصميم ويقارن العلامتين جنبا إلى جنب، وليس كذلك المستهلك المهمل بصورة استثنائية الذي قد يخلط بين أي علامتين.

إنه المستهلك المعتاد، الذي يتصرف بقدر معقول من المعرفة والانتباه، ويتأثر بطبيعة السلعة وثمنها وظروف عرضها وشرائها.

ولذلك يختلف مستوى الانتباه المتوقع باختلاف السوق.

فالمستهلك الذي يشتري عبوة مياه أو منتجا غذائيا قليل الثمن قد يتخذ قراره خلال ثوان، اعتمادا على اللون والشكل والعنصر الأبرز في العبوة. أما مشتري المعدات الصناعية مرتفعة القيمة، فقد يجري مقارنات فنية وتجارية أكثر تفصيلا قبل التعاقد.

ومع ذلك، لا يعني ارتفاع قيمة المنتج انتفاء احتمال التضليل تلقائيا؛ فقد يتعلق اللبس بهوية المورد، أو بوجود علاقة ترخيص أو وكالة أو اعتماد بين منشأتين.

وقد استقر في التقدير الأوروبي المقارن أن المستهلك لا تتاح له غالبا فرصة المقارنة المباشرة بين العلامتين، وإنما يعتمد على صورة غير مكتملة يحتفظ بها في ذاكرته.

وهذا يقود إلى معيار بالغ الأهمية:

لا ينبغي أن نختبر قدرة المستهلك على اكتشاف الاختلافات عندما نضع العلامتين أمامه، بل قدرته على تمييز المصدر التجاري عندما يواجه إحداهما مستحضرا ما علق في ذاكرته عن الأخرى.

ثالثا: العبرة بأوجه التشابه لا بأوجه الاختلاف.. ولكن بأي تشابه؟

ورد في القضاء السعودي مبدأ مؤداه أن العبرة عند المقارنة بين العلامات التجارية بأوجه التشابه لا بأوجه الاختلاف.

ومن التطبيقات القضائية المنشورة حكم لديوان المظالم في قضية تتعلق بعلامتين في مجال المنتجات الإلكترونية، رأت فيه المحكمة أن التشابه في الكتابة والجرس الصوتي والشكل العام، مع اتحاد المنتجات، يرجح وقوع المستهلكين في الخلط واللبس، وأن الفروق الجزئية لا تكفي بالضرورة لنفي ذلك الاحتمال.

غير أن قراءة هذا المبدأ باعتباره أمرا بتجاهل جميع أوجه الاختلاف ليست قراءة دقيقة.

فالمقارنة القانونية تبدأ بالنظر إلى العلامتين في مجموعهما، ثم بتحديد العناصر المميزة والمؤثرة في الانطباع العام، وتقدير ما إذا كانت أوجه الاختلاف كافية لتبديد التشابه المضلل.

فإذا اشتركت علامتان في عنصر ابتكاري بارز يستحوذ على ذاكرة المستهلك، فقد لا يكون تغيير الخط أو إضافة كلمة وصفية أو تبديل ترتيب عناصر ثانوية كافيا لانتفاء اللبس.

أما إذا اقتصر التشابه على كلمة عامة، أو رسم هندسي مألوف، أو عنصر وصفي تستخدمه منشآت عديدة، فقد تكون الاختلافات في العناصر الأخرى ذات أهمية حاسمة.

وهذا التمييز ضروري؛ لأن المبالغة في تطبيق قاعدة أوجه التشابه قد تقود إلى احتكار غير مشروع للألوان والأشكال والكلمات العامة.

ولذلك فإن الصياغة الأكثر انضباطا لهذا المبدأ هي:

العبرة بالتشابه المؤثر في الصورة الذهنية الكلية للعلامتين، مع إعطاء العناصر المميزة والغالبـة وزنا أكبر من العناصر الثانوية أو الوصفية، وعدم الاعتداد بالفروق الشكلية التي لا تزيل احتمال اللبس.

رابعا: ثلاثة مستويات للتشابه.. وقد يكفي أحدها في ظروف معينة

يمكن تحليل التشابه بين العلامات التجارية من ثلاثة مستويات رئيسية، لا يلزم اجتماعها جميعا حتى ينشأ احتمال التضليل.

1. التشابه البصري

ويتعلق بما تراه عين المستهلك من شكل العلامة، وألوانها، ورسومها، وطريقة تكوينها، وترتيب عناصرها، والعنصر الأكثر بروزا فيها.

فقد يختلف الاسم المكتوب تماما، ومع ذلك تتشابه العلامتان في رسم ابتكاري أو تكوين بصري مميز إلى درجة تحدث لبسا بشأن المصدر التجاري.

وتزداد أهمية هذا المعيار في المنتجات التي يعتمد المستهلك عند اختيارها على المظهر، ولا سيما في المتاجر الكبرى والتطبيقات الإلكترونية التي تعرض المنتجات في صور مصغرة.

2. التشابه اللفظي والصوتي

ويتحقق عندما تتقارب العلامتان في النطق أو الجرس الصوتي أو الإيقاع، ولو اختلفت بعض الحروف أو طريقة كتابتها.

وتظهر أهمية هذا المستوى في العلامات التي يتداولها المستهلكون شفهيا، كالمنتجات التي تطلب باسمها في المحلات أو من خلال المكالمات الهاتفية.

وفي السوق السعودي، تبرز خصوصية إضافية ناتجة عن كتابة العلامات بالعربية واللاتينية، واختلاف طرق نقل الأصوات بين اللغتين.

فقد تتباعد علامتان في الشكل المكتوب، لكنهما تنطقان بصورة متقاربة، أو تؤديان في التداول التجاري إلى الاسم الصوتي ذاته تقريبا.

3. التشابه المعنوي أو المفاهيمي

ويتحقق عندما تتقارب الدلالة التي تنقلها العلامتان إلى ذهن المستهلك، ولو اختلفت الكلمات أو اللغات.

غير أن مجرد اتحاد المعنى لا يكفي دائما. فالقيمة القانونية لذلك التشابه تتأثر بمدى تميز المعنى، ومدى اعتياد السوق على استعماله، وطبيعة المنتجات، وسائر عناصر العلامتين.

ويمكن القول إن التشابه البصري قد يكون أكثر تأثيرا في السلع التي تشترى بالنظر، بينما يتقدم التشابه الصوتي في السلع التي تطلب بالاسم، وقد يكون التشابه المفاهيمي مؤثرا عندما تقوم العلامة على فكرة ابتكارية اشتهرت بها.

والخطأ أن يعامل أحد هذه المستويات باعتباره المعيار الوحيد في جميع المنازعات.

خامسا: العنصر المهيمن والعنصر المميز.. لماذا لا تتساوى جميع أجزاء العلامة؟

ليس كل جزء في العلامة التجارية متساويا في قدرته على تمييز المصدر التجاري.

فقد تحتوي العلامة على اسم مبتكر، وكلمة تصف النشاط، ورسم هندسي، وعبارة دعائية. وقد يستقر في ذاكرة المستهلك الاسم المبتكر أو الرسم الخاص، بينما لا تستحوذ بقية العناصر على الاهتمام نفسه.

وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين:

العنصر المهيمن: العنصر الأكثر بروزا في المظهر العام للعلامة، بحكم حجمه أو موضعه أو حضوره البصري.

العنصر المميز: العنصر الأكثر قدرة على تعريف المستهلك بالمصدر التجاري، وتمييزه عن المنافسين.

وقد يجتمع الوصفان في عنصر واحد، وقد يفترقان.

فالكلمة المكتوبة بأكبر حجم ليست بالضرورة الأقوى قانونيا، إذا كانت كلمة وصفية شائعة. وفي المقابل، قد يكون الرمز الصغير نسبيا أكثر تميزا إذا كان معروفا لدى المستهلكين باعتباره دلالة على منشأة محددة.

ومن الأمثلة على ذلك أن إضافة كلمة مثل (للتجارة) أو (للمواد الغذائية) أو (الأصلية) إلى علامة مميزة سابقة لا تعني بالضرورة نشوء علامة مستقلة لا تثير اللبس.

وفي المقابل، لا يستطيع مالك علامة تحتوي على كلمة (القهوة) أو (الطبيعة) أن يحتكر تلك الكلمة في جميع استعمالاتها لمجرد ورودها ضمن علامته المسجلة.

فالحماية لا تقاس بمساحة العنصر داخل التصميم وحدها، وإنما بقدرته على أداء وظيفة التمييز التجاري.

سادسا: متى يتحول التشابه إلى تضليل؟

يمكن صياغة اختبار قانوني عملي لاحتمال التضليل من خلال مجموعة معايير مترابطة.

أولا: مدى قوة العلامة السابقة وتميزها.

فالعلامة المبتكرة بطبيعتها، أو التي اكتسبت تميزا قويا نتيجة الاستعمال والشهرة، تكون قدرتها على الدلالة على منشأة معينة أكبر من علامة تتكون من عناصر وصفية أو شائعة.

ولا يعني ذلك أن العلامة الضعيفة لا تتمتع بالحماية إذا استوفت شروطها، وإنما قد يكون نطاق الحماية أضيق، خاصة عندما ينحصر التشابه في عناصر قليلة التميز.

ثانيا: درجة التشابه المؤثر بين العلامتين.

ولا تقاس هذه الدرجة بنسبة حسابية أو بعدد العناصر المتطابقة، بل بأثرها على الانطباع الذي تتركه العلامة في ذهن المستهلك.

ثالثا: طبيعة السلع والخدمات والعلاقة بينها.

فكلما زاد تماثل المنتجات، أو تقاربت في طبيعتها واستعمالاتها وجمهورها وقنوات توزيعها، زادت أهمية التشابه بين العلامتين في تقدير احتمال اللبس.

ولا يشترط دائما أن تكون السلع متطابقة؛ فقد توجد علاقة تجارية وثيقة بين سلعة وخدمة مكملة لها، أو بين منتجات يعتاد المستهلك صدورها عن المنشأة نفسها.

رابعا: طبيعة الجمهور ومستوى انتباهه.

فالجمهور المستهدف للخدمات الطبية المتخصصة يختلف في سلوك الشراء عن جمهور السلع الاستهلاكية اليومية، دون أن يعني ذلك انتفاء الحماية عن أي منهما.

خامسا: ظروف العرض والتسويق الفعلية.

وهذا معيار لا ينبغي إغفاله؛ لأن العلامة لا تعمل في فراغ.

فقد تكون العلامتان قابلتين للتمييز عند طباعتهما بحجم كبير على ورقة بيضاء، لكنهما تثيران اللبس عند عرضهما على عبوتين متجاورتين، أو في نتائج البحث الإلكتروني، أو داخل تطبيق يعرض صورا مصغرة للمنتجات.

سادسا: طبيعة العلاقة التي قد يتوهمها المستهلك.

وهذه من أهم المسائل؛ لأن التضليل لا يقتصر على اعتقاد المستهلك أنه اشترى المنتج نفسه.

فقد يدرك المستهلك أن أمامه علامتين مختلفتين، لكنه يعتقد خطأ أن إحداهما تمثل فرعا للأخرى، أو منتجا اقتصاديا تابعا لها، أو علامة فرعية، أو وكيلا، أو مرخصا له، أو شريكا تجاريا.

وهذا ما يعرف في التحليل المقارن بالخلط غير المباشر أو احتمال الارتباط التجاري.

ومن ثم، فإن اختلاف الاسمين لا يحسم النزاع إذا كان الانطباع التجاري العام يوحي بعلاقة اقتصادية غير موجودة.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الاعتقاد بوجود ارتباط تجاري حقيقي وبين مجرد تذكر المستهلك لعلامة أخرى عند رؤية علامة جديدة؛ فمجرد التذكر لا يكفي وحده لإثبات احتمال اللبس.

سابعا: هل يمكن قيام الانتهاك رغم اختلاف فئات تسجيل العلامتين؟

من الأخطاء الشائعة التعامل مع تصنيف نيس كما لو كان حاجزا قانونيا فاصلا يمنع التضليل بين الفئات المختلفة.

فالتصنيف وسيلة إدارية لتنظيم السلع والخدمات، وليس معيارا حصريا لتحديد نطاق الحماية أو العلاقة التجارية بين المنتجات.

ولذلك، فإن اختلاف رقم الفئة لا يعني بالضرورة اختلاف الجمهور أو انتفاء الصلة الاقتصادية بين السلع والخدمات.

ومن الأمثلة الواضحة العلاقة بين القهوة بوصفها منتجا في الفئة (30)، وخدمات المقاهي التي تقدمها تحت الفئة (43).

وقد ينشأ احتمال الارتباط التجاري بين علامة قهوة معبأة وعلامة مقهى، رغم اختلاف الفئتين، إذا كانت ظروف السوق والتشابه بين العلامتين تجعل المستهلك يرجح أنهما تعودان إلى منشأة واحدة.

وفي المقابل، فإن مجرد وجود علامتين في الفئة نفسها لا يكفي لإثبات التشابه المضلل؛ إذ قد تضم الفئة أنواعا مختلفة من السلع أو الخدمات.

وتتسع الحماية في حالات العلامات المشهورة وفق الشروط التي قررها النظام، بما يشمل بعض حالات استعمال العلامات المشابهة على سلع أو خدمات غير مماثلة، متى توافرت الصلة المرجحة والضرر المحتمل لمصالح صاحب العلامة المشهورة.

وبذلك فإن معيار الصلة بين المنتجات لا يجوز اختزاله في رقم الفئة.

ثامنا: القضاء السعودي بين حماية الانطباع العام ومنع احتكار العناصر الشائعة

تقدم الأحكام القضائية السعودية المنشورة تطبيقات مهمة لفهم هذه المعايير.

ففي حكم صادر عن المحكمة التجارية في القضية رقم (4430390692)، كان النزاع متعلقا بالاعتراض على قبول تسجيل علامة في الفئة (29).

وقد دفع جانب من الخصومة بأن العلامتين تختلفان في اللفظ وعدد الكلمات وترتيبها، وأن الأشكال الهندسية الشائعة لا يجوز احتكارها.

غير أن المحكمة نظرت إلى التشابه في الشكل والرسم والهوية البصرية والانطباع الأولي، واعتبرت أن العلامة المعترض عليها حاكت العنصر الذي تميزت به العلامة السابقة بصورة من شأنها توليد اللبس والربط بين منتجاتهما.

وانتهت المحكمة إلى إلغاء قرار رفض الاعتراض على التسجيل، بعد أن رأت أن الاقتصار على الاختلاف اللفظي لم يكن كافيا لتقدير التشابه.

وفي مقابل ذلك، يظهر حكم آخر منشور برقم (4380641)، كانت الجهة المختصة قد رفضت تسجيل علامة لوجود تشابه مع علامة سابقة.

وبعد المقارنة، رأت المحكمة أن التشابه انحصر في جزء من العلامة المركبة، بينما أضفى اختلاف الشكل والنطق والطابع العام على كل علامة شخصية مميزة تمنع اللبس.

وانتهت إلى إلغاء قرار رفض التسجيل.

وتبرز أهمية هذين الحكمين في أن كلا منهما تناول مسألة التشابه، لكن النتيجة اختلفت بحسب طبيعة العنصر المشترك وأثره في الانطباع العام.

فليس كل اختلاف مانعا للتعدي، وليس كل تشابه موجبا له.

والقاعدة القضائية المنضبطة ليست حماية التشابه لذاته، وإنما حماية القدرة التمييزية للعلامة من التشابه الذي يؤدي إلى اللبس أو الربط التجاري المضلل.

تاسعا: كيف يثبت صاحب العلامة أن المستهلك قد يضلل؟

هذه هي المسألة العملية الأصعب في كثير من منازعات العلامات التجارية.

فصاحب العلامة قد يكون مقتنعا بأن منافسه تعمد محاكاته، غير أن اقتناعه الشخصي لا يغني عن بناء ملف إثبات يوضح عناصر التشابه وأثرها المحتمل على المستهلك.

ويمكن أن تتكون الأدلة من عدة مستويات متكاملة.

المستوى الأول: المقارنة الفنية للعلامتين.

ويشمل تقديم صورة العلامة المسجلة وصورة العلامة المستعملة، وتحليل العناصر المشتركة والمختلفة، وتحديد العنصر المميز في كل منهما، وبيان أثر التشابه البصري واللفظي والمعنوي.

ومن المفيد ألا تقتصر المقارنة على عرض العلامتين جنبا إلى جنب؛ بل أن توضح كذلك الكيفية التي تظهر بها كل علامة للمستهلك في السوق.

المستوى الثاني: إثبات واقع الاستعمال التجاري.

ويشمل عينات المنتجات، والعبوات، وصور الواجهات، والإعلانات، والحسابات التجارية، وصفحات المتاجر الإلكترونية، ونتائج البحث، وأي مواد تبين طريقة تقديم العلامة للجمهور.

وقد يكون التشابه أكثر وضوحا في مجموع الهوية التجارية المستخدمة فعليا مما يبدو في شهادة التسجيل المجردة.

المستوى الثالث: حالات اللبس الفعلي.

ومن أمثلتها رسائل العملاء الذين اعتقدوا أن منشأة المعتدي فرع لصاحب العلامة، أو طلبات الشراء والاستفسارات التي وصلت خطأ إلى المنشأة الأصلية، أو شكاوى المستهلكين عن منتجات لا تعود إليها.

وتزداد القيمة الإثباتية لهذه الوقائع إذا كانت موثقة بتاريخها ومصدرها وظروف حصولها، وتكررت بصورة يمكن ربطها باستعمال العلامة محل النزاع.

ولا ينبغي المبالغة في قيمة واقعة منفردة غير موثقة؛ لأنها قد لا تعكس إدراك الجمهور المستهدف.

المستوى الرابع: استطلاعات المستهلكين.

وهي من الأدوات التي تستحق عناية أكبر في المنازعات المعقدة.

فيمكن إجراء استطلاع مهني مستقل على عينة مناسبة من الجمهور المعني لمعرفة الانطباع الذي تولده العلامة محل النزاع، ومدى اعتقاد المشاركين بوجود مصدر تجاري واحد أو علاقة اقتصادية بين العلامتين.

ويشترط لقيمة هذا الاستطلاع أن تكون أسئلته محايدة، وعينته ملائمة، وطريقة عرضه قريبة من ظروف التعامل الفعلي، وأن يتجنب توجيه المشاركين إلى إجابة معينة.

ومن المفيد تضمين وسائل للمقارنة والضبط تكشف ما إذا كانت الإجابات ناتجة عن التشابه المدعى به أو عن عوامل أخرى.

لكن ينبغي التأكيد أن استطلاعات المستهلكين ليست شرطا نظاميا عاما لثبوت التعدي في المملكة، وإنما وسيلة إثبات مساعدة يقدر القاضي قيمتها بحسب ظروف النزاع.

المستوى الخامس: القرائن المستمدة من سلوك المعتدي.

فقد تكون هناك وقائع تدعم الاستدلال على قصد المحاكاة، مثل وجود علاقة تجارية سابقة، أو اطلاع الطرف اللاحق على الهوية الأصلية، أو إجراء تعديلات متتابعة بعد الاعتراض مع الإبقاء على العنصر المميز نفسه.

وقد تدعم هذه القرائن الاستنتاج بوجود استفادة مقصودة من سمعة العلامة السابقة.

لكن يجب التمييز بين القصد والنتيجة؛ فسوء النية ليس شرطا عاما لكل صور التعدي المدنية القائمة على احتمال اللبس، وإن كان ذا أهمية خاصة في بعض صور التجريم المنصوص عليها في المادة (42) من النظام.

عاشرا: هل يكفي تقرير خبير لإثبات التشابه والتضليل؟

يمكن للخبرة أن تؤدي دورا مهما، لكنها لا تحل محل سلطة المحكمة في التكييف القانوني.

فخبير التصميم يستطيع تحليل البناء البصري للعلامتين، والسمات المشتركة بينهما، ومدى تميز عناصرهما.

وخبير التسويق يستطيع تحليل الجمهور المستهدف وسلوك الشراء ووسائل العرض والتوزيع، وربما تصميم دراسة لقياس الانطباع لدى المستهلكين.

غير أن السؤال النهائي عما إذا كانت هذه المعطيات تحقق التشابه الممنوع نظاما يظل مسألة قانونية تخضع لتقدير الجهة المختصة أو المحكمة.

ولذلك ينبغي أن يصاغ تقرير الخبرة بصورة تجيب عن الأسئلة الحقيقية للنزاع، لا أن يكتفي بعبارات عامة مثل (توجد نسبة تشابه مرتفعة) أو (هناك اختلافات واضحة).

فالتشابه بين العلامات ليس معادلة هندسية، ولا توجد نسبة مئوية ثابتة يقرر عند بلوغها أن العلامة منتهكة.

وحتى البرامج المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التي تقيس التشابه البصري أو الدلالي لا ينبغي أن تكون بديلا عن تحليل احتمال اللبس من منظور المستهلك وظروف السوق.

حادي عشر: التضليل في المتاجر الإلكترونية.. هل تغيرت معايير المقارنة؟

أضافت التجارة الإلكترونية تحديات جديدة إلى تقدير التشابه بين العلامات.

فالمستهلك لم يعد يتعامل مع العلامة على واجهة متجر أو عبوة منتج فحسب، بل يواجهها في إعلان ممول، ونتيجة بحث، وصورة مصغرة، وصفحة منتج، وتطبيق هاتف، ومنشور على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي هذه البيئات، قد يكون الوقت المتاح لتمييز العلامات أقصر، وقد يعتمد المستهلك على عنصر بصري أو صوتي واحد لاتخاذ قراره الأولي.

ولهذا تكتسب أهمية خاصة مسألة الانطباع الأول عند ظهور العلامة في رحلة المستهلك الإلكترونية.

فقد يستعمل متجر علامة مشابهة لجذب المستهلك إلى صفحته، ثم تظهر معلومات أخرى تكشف عن هوية المتجر عند إتمام الشراء.

ولا يعني ذلك تلقائيا أن كل جذب أولي يمثل انتهاكا مستقلا في النظام السعودي؛ وإنما يستدعي فحص ما إذا كان الاستعمال في سياق التجارة قد أحدث أو كان محتملا أن يحدث لبسا بشأن المصدر أو العلاقة التجارية.

كما أن شراء كلمات مفتاحية مرتبطة بعلامة منافس، أو ظهور متجر في نتائج البحث عند كتابة علامة أخرى، لا يكفي بذاته للحكم بالتعدي دون تحليل طريقة استعمال العلامة ومحتوى الإعلان والانطباع الذي ينشأ عنه.

وتظهر هنا أهمية الأدلة الرقمية، من صور الصفحات والإعلانات وسجلات المراسلات وغيرها، مع توثيقها بما يحفظ مصدرها وتاريخها وسلامتها، والاستفادة من أحكام الدليل الرقمي الواردة في نظام الإثبات السعودي.

ثاني عشر: هل يشترط إثبات ضرر مالي حتى يثبت انتهاك العلامة؟

من المهم عدم الخلط بين ثبوت التعدي واستحقاق التعويض عنه.

فاحتمال اللبس الذي تقوم عليه الحماية من استعمال العلامات المشابهة لا يلزم أن يكون مصحوبا بإثبات أن صاحب العلامة خسر مبلغا ماليا محددا بالفعل.

أما المطالبة بالتعويض المالي، فهي مسألة أخرى تقتضي بناء أساس نظامي وإثباتي لتقدير الضرر أو التعويض المستحق.

وقد نصت المادة (41) من النظام على أحكام التعويض عن الضرر المباشر الناشئ عن التعدي، وأجازت للمحكمة الاستعانة بمعايير من بينها قيمة السلعة أو الخدمة أو الخبرة، كما تضمنت أحكاما أخرى للتعويض والتدابير القضائية.

ومن ثم، فقد تكون الأدلة كافية لإثبات التعدي وطلب وقفه، لكنها غير كافية وحدها لتبرير مبلغ التعويض المطالب به.

وهذا يفسر لماذا ينبغي أن يفصل صاحب العلامة في دعواه بين إثبات ملكيته ونطاق حمايتها، وإثبات الاستعمال المعتدي، وإثبات احتمال اللبس، ثم إثبات الضرر وأساس تقدير التعويض.

ثالث عشر: نحو معيار سعودي أكثر وضوحا لتقدير احتمال التضليل

إن تطور منازعات العلامات التجارية، ولا سيما مع توسع التجارة الإلكترونية وتزايد العلامات المركبة واللغات المستخدمة فيها، يبرز الحاجة إلى منهج تحليلي أكثر وضوحا واتساقا.

ومن المناسب، في تقديري، تطوير دليل استرشادي متخصص لتقييم احتمال اللبس في العلامات التجارية، يستفيد من النصوص السعودية والمبادئ القضائية الوطنية والخبرات المقارنة، دون أن يقيد سلطة القضاء في تقدير كل حالة.

ويمكن أن يقوم هذا الدليل على محاور محددة، تشمل قوة العلامة السابقة، والعناصر المميزة والمهيمنة، ودرجات التشابه البصري والصوتي والمعنوي، والصلة بين السلع والخدمات، وطبيعة الجمهور، وظروف الاستعمال، والقرائن العملية على احتمال اللبس.

كما سيكون من المفيد تطوير إرشادات مهنية لإعداد تقارير الخبرة واستطلاعات المستهلكين، خصوصا عندما يكون النزاع بشأن علامات لا يجمعها تطابق واضح، وإنما تشابه في الانطباع والهوية التجارية.

ولا يهدف هذا المقترح إلى وضع معادلة حسابية للتضليل؛ إذ قد تتفاوت الأوزان النسبية لهذه العناصر من قضية إلى أخرى. وإنما يهدف إلى توفير إطار أكثر قابلية للفهم والتطبيق والتنبؤ بنتائجه.

خاتمة: العلامة لا تحمى من التشابه المجرد، بل من التشابه الذي يضلل

إن تقدير انتهاك العلامة التجارية ليس تمرينا لاكتشاف الاختلافات بين رسمين، ولا بحثا عن أي عنصر مشترك مهما كان ضئيلا.

إنه تقييم قانوني وتجاري للصورة التي تتكون في ذهن المستهلك عن المصدر الذي تقف خلفه السلعة أو الخدمة.

فقد يكون اختلاف الاسم غير كاف لنفي التعدي إذا ظلت العلامة اللاحقة تستحضر الهوية المميزة للعلامة السابقة وتوحي بالانتماء إليها.

وقد يكون التشابه في كلمة أو عنصر بصري غير كاف لإثبات التعدي إذا كان ذلك العنصر شائعا، وكانت العلامتان في مجموعهـما تولدان انطباعين تجاريين مختلفين.

ولهذا ينبغي على مالك العلامة، عند إقامة دعواه، ألا يكتفي بالقول إن منافسه قلده، بل أن يبين كيف وأين ولماذا يمكن أن يقع المستهلك في اللبس.

كما ينبغي على من يختار علامة جديدة ألا يكتفي بإحصاء الاختلافات الشكلية بينها وبين العلامات السابقة، بل أن يسأل عما إذا كانت ستؤدي وظيفتها في الدلالة على مصدر تجاري مستقل دون استغلال السمعة أو التميز المرتبط بعلامة أخرى.

فالاختبار الحقيقي ليس: هل يستطيع المستهلك اكتشاف الفرق بين العلامتين إذا دقق فيهما؟ بل: هل يستطيع، في ظروف التعامل المعتادة، أن يميز بين المصدرين التجاريين دون أن يقع في اللبس؟

وهنا تكمن فلسفة الحماية: ليست العبرة بأن تبدو العلامتان مختلفتين عند المقارنة الدقيقة، بل بألا تبدوا للمستهلك وكأنهما تعودان إلى مصدر تجاري واحد أو مصدرين تربطهما علاقة غير حقيقية.