إلغاء تسجيل العلامة أم شطبها؟ فرق قد يحسم الدعوى قبل بحث الحق

قراءة قانونية في التمييز بين منازعة الملكية ومشروعية التسجيل واستمرار الحماية

قد يمضي صاحب علامة تجارية سنوات في بنائها وتسويقها، ثم يفاجأ بأن شخصا آخر سبقه إلى تسجيلها باسمه. وحين يلجأ إلى القضاء، يبدو طلب شطب التسجيل هو الخيار الطبيعي لاستعادة حقه. غير أن هذا الاختيار، على بداهته الظاهرة، قد لا يكون هو الطلب الصحيح نظاما.

ففي منازعات العلامات التجارية، لا يكفي أن يكون المدعي محقا في اعتراضه على تسجيل العلامة باسم غيره؛ بل يلزم أن يؤسس دعواه على السبب النظامي الملائم، وأن يطلب الأثر القضائي الذي يرتبه النظام على ذلك السبب.

وهنا يظهر تمييز بالغ الأهمية بين إلغاء تسجيل العلامة التجارية وشطب تسجيلها. وهو تمييز لا يتعلق بمجرد اختلاف الألفاظ، وإنما يتصل بطبيعة الحق المتنازع عليه، وشروط المطالبة، والمدد النظامية، والآثار المترتبة على الحكم.

أولا: إلغاء التسجيل عندما يكون النزاع على أسبقية الاستعمال

قررت المادة السابعة من قانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، النافذ في المملكة العربية السعودية، أصلا مهما يتمثل في اعتبار من سجل العلامة بحسن نية مالكا لها، ثم أتاحت لمن كان أسبق إلى استعمالها، ممن سجلت باسمه، أن يطلب من المحكمة المختصة إلغاء ذلك التسجيل خلال خمس سنوات من تاريخ التسجيل، ما لم يثبت رضاه الصريح أو الضمني باستعمالها من قبل المسجل.

وتكشف هذه المادة عن اختيار تشريعي دقيق؛ فالتسجيل قرينة معتبرة على الملكية، لكنه ليس بمنأى عن المنازعة عندما يثبت أن شخصا آخر كان أسبق إلى استعمال العلامة.

لنفترض أن منشأة سعودية استعملت علامة على منتجاتها منذ عام 2021، ونجحت في تسويقها واكتساب عملاء تحتها، لكنها لم تبادر إلى تسجيلها. ثم قام أحد موزعي منتجاتها بتسجيل العلامة باسمه عام 2024.

في هذه الحالة، لا تتمحور المنازعة بالضرورة حول افتقار العلامة إلى شروط التسجيل، وإنما حول أحقية من سجلها في مواجهة صاحب الاستعمال السابق.

وهنا تظهر خصوصية دعوى الإلغاء المنصوص عليها في المادة (7/2)، التي تجعل أسبقية الاستعمال أساسا مستقلا للمطالبة القضائية.

لكن المشرع لم يجعل هذه المنازعة مفتوحة إلى غير نهاية. فقد حدد للمطالبة بالإلغاء مدة خمس سنوات من تاريخ التسجيل، وقرر في الفقرة الأولى من المادة ذاتها عدم جواز المنازعة في الملكية متى اقترن التسجيل بحسن النية والاستعمال لمدة خمس سنوات على الأقل دون وجود نزاع قضائي بشأنها.

ومن المهم عدم إغفال الفرق بين الحكمين: فهناك مدة حددها النص لمطالبة الأسبق استعمالا بالإلغاء، وهناك حماية لاستقرار الملكية ربطها بحسن النية والاستعمال وغياب النزاع القضائي.

كما أن مجرد الادعاء بأسبقية الاستعمال لا يكفي، إذ ينبغي إثبات استعمال سابق حقيقي للعلامة في النشاط التجاري، على نحو يصلح لإسناد الحق المدعى به، مع مراعاة النطاق الإقليمي للحماية وطبيعة السلع أو الخدمات محل النزاع.

ثانيا: شطب التسجيل عندما يكون التسجيل غير مشروع

أما المادة الثانية والعشرون فقد قررت، مع عدم الإخلال بأحكام المادة السابعة، حق الجهة المختصة وكل ذي شأن في اللجوء إلى المحكمة المختصة لطلب شطب العلامة التي سجلت بغير وجه حق.

وهنا يتسع نطاق المنازعة ليشمل مشروعية التسجيل ذاته.

فقد تسجل علامة مطابقة أو مشابهة لعلامة سبق إيداعها أو تسجيلها، على نحو يؤدي إلى اللبس أو الإضرار بمصالح صاحبها. وقد يكون التسجيل مخالفا للموانع المقررة في المادة الثالثة، كافتقار العلامة إلى الصفة المميزة، أو اشتمالها على بيانات مضللة، أو اعتدائها على الحماية المقررة لعلامة مشهورة.

في مثل هذه الأحوال، لا تكون أسبقية الاستعمال بالضرورة هي محور الدعوى؛ وإنما يكون السؤال: هل كان يجوز قبول تسجيل هذه العلامة ابتداء؟

وإذا ثبت أن التسجيل وقع بالمخالفة للنظام، كان طلب الشطب مؤسسا على المادة الثانية والعشرين، مقروءة مع النص الذي وقع التسجيل بالمخالفة له.

وهذا يقود إلى فارق جوهري: فدعوى الإلغاء وفق المادة السابعة تقوم على مركز قانوني خاص لصاحب الاستعمال السابق، بينما دعوى الشطب وفق المادة الثانية والعشرين تتعلق بوجود سبب نظامي يجعل التسجيل غير مشروع.

ولا يعني ذلك انعدام التداخل بين الدعويين؛ فقد تجتمع أسبقية الاستعمال مع وقائع تدل على سوء النية أو التضليل أو مخالفة حقوق سابقة. لكن اجتماع الوقائع لا يعفي المدعي من تحديد الأساس المستقل لكل طلب، وإثبات عناصره.

ثالثا: لماذا قال النظام (مع عدم الإخلال بأحكام المادة السابعة)؟

ربما تكون هذه العبارة من أكثر العبارات أهمية في فهم العلاقة بين الدعويين.

فلو كان المقصود من المادة الثانية والعشرين إتاحة طريق عام لإزالة كل تسجيل يعترض عليه صاحبه، دون اعتبار للأحكام الخاصة بالمنازعة في الملكية، لأصبح من الممكن الالتفاف على المدة المحددة في المادة السابعة بمجرد إعادة صياغة طلب الإلغاء باعتباره طلب شطب.

وهذا تفسير يصعب التوفيق بينه وبين إحالة المادة الثانية والعشرين الصريحة إلى المادة السابعة.

وفي المقابل، لا يصح تفسير الإحالة باعتبارها حصانة مطلقة لكل تسجيل مضت عليه خمس سنوات، ولو ثبت وجود مخالفة نظامية مستقلة عن مجرد أسبقية الاستعمال.

فالمادة السابعة تنظم مركز المسجل وحماية الملكية وشروط منازعتها، بينما تتناول المادة الثانية والعشرون التسجيل الواقع بغير وجه حق.

والقراءة الأقرب إلى الانسجام بين النصين هي أن أحكام أسبقية الاستعمال لا يجوز تجاوزها بتغيير مسمى الدعوى، كما لا يجوز إهدار أسباب الشطب المستقلة بحجة انقضاء مدة دعوى الإلغاء.

وتزداد هذه المسألة دقة عند الادعاء بسوء النية؛ إذ ينبغي التمييز بين سوء نية لا يعدو كونه وصفا لتسجيل علامة سبق للمدعي استعمالها، وبين وقائع تشكل بذاتها مخالفة لموانع التسجيل أو سببا مستقلا لعدم مشروعيته.

فليس مجرد إضافة عبارة (التسجيل بسوء نية) إلى صحيفة الدعوى كافيا لنقلها تلقائيا من نطاق المادة السابعة إلى المادة الثانية والعشرين.

رابعا: القضاء السعودي ومخاطر التكييف غير الصحيح

لم يبق هذا التمييز مسألة نظرية، بل ظهر أثره في القضاء التجاري السعودي.

ففي حكم منشور للدائرة التاسعة عشرة بالمحكمة التجارية بالرياض لعام 1446هـ، أقامت المدعية دعواها بطلب شطب علامة مسجلة باسم شركة أخرى، واستندت إلى أسبقيتها في استعمال العلامة وما لديها من أدلة على التعامل التجاري السابق بين الطرفين.

غير أن الدائرة رأت أن الوقائع التي أسست عليها المدعية طلبها تتعلق بأسبقية الاستعمال، وأن الطريق النظامي الملائم لها هو طلب إلغاء التسجيل وفق المادة (7/2)، وانتهت إلى الحكم بعدم قبول الدعوى.

وتبرز أهمية هذا الحكم في أنه يكشف عن الأثر العملي للتكييف: فقد يكون لدى المدعي ما يعتقد أنه دليل على حقه، ومع ذلك لا تصل المحكمة إلى بحث ذلك الحق بالصورة التي أرادها، بسبب عدم ملاءمة الطلب لأساس النزاع.

ومع ذلك، ينبغي قراءة تعليل هذا الحكم في حدود وقائعه وعدم التوسع في اعتبار الشطب مقصورا على مالك علامة مسجلة؛ لأن المادة الثانية والعشرين منحت صراحة حق طلب الشطب للجهة المختصة ولكل ذي شأن، بينما نظمت المادة الثالثة والعشرون حالة مختلفة هي الشطب الذي يطلبه مالك العلامة نفسه.

وهذا التمييز بين النصوص مهم بقدر أهمية التمييز بين الإلغاء والشطب؛ فليست كل أسباب الشطب محكومة بشروط المادة الثالثة والعشرين.

خامسا: ليس كل شطب حكما بعدم مشروعية التسجيل

من مواطن الخلط أيضا تصور أن شطب العلامة يعني بالضرورة أنها سجلت بالمخالفة للنظام.

والواقع أن المشرع استخدم الشطب في أحوال متعددة، تختلف أسبابها وآثارها:

الشطب لعدم الاستعمال: أجازت المادة الرابعة والعشرون للمحكمة المختصة، بناء على طلب ذي شأن، أن تأمر بشطب العلامة إذا ثبت عدم استعمالها بصفة جدية لمدة خمس سنوات متتالية، ما لم يقدم مالكها ما يسوغ عدم الاستعمال. وهنا قد يكون التسجيل صحيحا عند نشأته، لكن استمرار الحماية أصبح محل منازعة بسبب عدم الاستعمال.

الشطب بناء على طلب المالك: أجازت المادة الثالثة والعشرون لمالك العلامة طلب شطب تسجيلها عن جميع السلع والخدمات أو بعضها، مع مراعاة حقوق المستفيد من الترخيص المؤشر به في السجل وفق الشروط النظامية. وهذا الشطب لا يفترض وجود مخالفة أصلا.

الشطب لعدم التجديد: تقضي المادة العشرون بشطب العلامة من السجل إذا مضت الأشهر الستة التالية لانتهاء مدة التسجيل دون طلب تجديده.

وهكذا يتضح أن لفظ الشطب يصف في كثير من الأحوال النتيجة التي تطرأ على القيد في سجل العلامات التجارية، لكنه لا يكشف وحده عن السبب القانوني الذي أدى إليها.

فقد يكون الشطب تصحيحا لتسجيل غير مشروع، أو نتيجة لانقضاء الحماية، أو أثرا لعدم الاستعمال، أو استجابة لإرادة المالك.

وهذا وحده كاف لإظهار خطأ النظر إلى جميع دعاوى الشطب بوصفها دعوى واحدة لها شروط وآثار متماثلة.

سادسا: الأثر الزمني للإلغاء والشطب.. هل يزول الحق من الأصل؟

هذه المسألة من أدق آثار منازعات العلامات التجارية.

فمن الناحية التحليلية، ثمة فرق بين تسجيل كان معيبا منذ نشأته، وتسجيل نشأ صحيحا ثم طرأ ما يبرر إنهاء حمايته.

في الحالة الأولى، يثور السؤال عن مشروعية الآثار التي رتبها التسجيل خلال الفترة السابقة على الحكم. وفي الثانية، ينصرف البحث أساسا إلى تحديد الوقت الذي انتهت عنده الحماية، ومدى تأثر التصرفات والحقوق السابقة بذلك.

وقد عالج التنظيم الأوروبي هذا التمييز بصورة صريحة؛ إذ قررت المادة (62) من لائحة العلامة التجارية للاتحاد الأوروبي رقم (2017/1001) أن الحكم ببطلان التسجيل يرتب، من حيث الأصل، اعتبار العلامة غير منتجة لآثارها منذ البداية، بينما يرتبط سقوط الحق بتاريخ طلب السقوط أو بتاريخ أسبق تحدده الجهة المختصة وفق شروط النص.

أما النظام الخليجي النافذ في المملكة، فلم يقرر في المواد المنظمة للإلغاء والشطب قاعدة تفصيلية مماثلة تعالج جميع الآثار الزمنية لكل سبب.

ولذلك لا يصح الجزم بأن كل طلب إلغاء يرتب حتما أثرا رجعيا شاملا، أو أن كل شطب لا ينتج أثره إلا من تاريخ الحكم.

فطبيعة السبب، ومنطوق الحكم، والحقوق التي نشأت للغير، وما إذا كان النزاع متعلقا بصحة التسجيل من الأصل أو بانتهاء الحماية لاحقا، جميعها مسائل يجب بحثها عند تحديد الأثر القانوني.

وهذه ليست مسألة نظرية؛ فقد تمتد أهميتها إلى دعاوى التعويض عن التعدي، وعقود الترخيص، والمبالغ التي استوفيت استنادا إلى تسجيل ألغي أو شطب لاحقا.

سابعا: ماذا يحدث للعلامة بعد إلغاء تسجيلها أو شطبه؟

لا ينبغي افتراض أن الحكم بإزالة تسجيل شخص يؤدي تلقائيا إلى انتقال التسجيل ذاته إلى المدعي.

فإلغاء تسجيل المنافس أو شطبه شيء، واكتساب المدعي تسجيلا مستقلا أو إثبات ملكيته على النحو المقرر نظاما شيء آخر.

كذلك نصت المادة الخامسة والعشرون على عدم جواز إعادة تسجيل العلامة المشطوبة لصالح الغير عن السلع أو الخدمات ذاتها أو المشابهة إلا بعد مضي ثلاث سنوات من تاريخ الشطب، ما لم يكن الشطب بحكم قضائي حدد مدة أقل.

وهذا الحكم يحتاج إلى انتباه خاص عند صياغة الطلبات، ولا سيما إذا كان الغرض من الدعوى تمكين صاحب الحق من تسجيل العلامة باسمه.

فقد لا يكفي طلب إزالة التسجيل القائم دون معالجة الطريق النظامي اللاحق للتسجيل، وإمكان سريان القيد الزمني، وما يمكن طلبه من المحكمة بشأنه في الأحوال التي يجيزها النظام.

كما يجب التفريق بين إزالة التسجيل وبين منع الاستعمال التجاري؛ فشطب القيد لا يعني في جميع الأحوال صدور حكم مستقل يحظر على صاحبه السابق استعمال أي إشارة مماثلة في السوق. فقد يستلزم ذلك طلبات وأسانيد أخرى بحسب الحقوق القائمة والوقائع.

أخيرا: التكييف الصحيح يبدأ من السؤال الصحيح

قبل رفع دعوى تتعلق بعلامة تجارية مسجلة باسم الغير، ينبغي ألا يكون السؤال الأول: هل أطلب الإلغاء أم الشطب؟

بل ينبغي أن يكون: ما العيب الذي أتمسك به تحديدا؟

هل أنني الأسبق إلى استعمال العلامة، وقد سجلها غيري باسمه؟ أم أن العلامة سجلت بالمخالفة لموانع التسجيل؟ أم أن الحماية كانت صحيحة ثم فقدت مسوغ استمرارها؟ أم أن النزاع يتعلق أصلا بقرار إداري صدر بشأن طلب تسجيل لم يكتمل بعد؟

لكل حالة أساسها النظامي، ومددها، وأدلتها، وطلباتها.

ولعل أهم ما يكشف عنه هذا التمييز أن حماية العلامة التجارية لا تبدأ عند إثبات التشابه أو أسبقية الاستعمال فحسب، بل تبدأ قبل ذلك عند تحديد الحق المعتدى عليه، واختيار الوسيلة القضائية الصحيحة لحمايته.

ففي قضايا العلامات التجارية، قد يخسر صاحب الحق دعواه لا لأن حقه غير ثابت، وإنما لأنه طلب حماية صحيحة بطريق غير صحيح.


المرجع النظامي: قانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولا سيما المواد (3)، (7)، (20)، (22) إلى (26)، ولائحته التنفيذية. والمادة (62) من لائحة العلامة التجارية للاتحاد الأوروبي، للمقارنة التشريعية.