الملكية الفكرية في نظام المعاملات التجارية.. من حماية الحق إلى تداول الأصل

نُشر في

لم تعد قيمة المنشآت التجارية تقاس بما تملكه من عقارات ومعدات ومخزون، فقد تكون الأصول الأكثر قيمة في شركة ما اسما تجاريا اكتسب ثقة السوق، أو علامة ارتبطت بأذهان المستهلكين، أو برنامجا تقنيا، أو حقوقا فكرية تمنح صاحبها ميزة تنافسية يصعب على الآخرين مجاراتها. وفي اقتصاد تتنامى فيه مساهمة المعرفة والابتكار، أصبحت الأصول غير المادية جزءا جوهريا من الثروة التجارية، وهو تحول يجد انعكاسا مهما في نظام المعاملات التجارية الجديد الذي وافق عليه مجلس الوزراء مؤخرا.

تحتاج إلى مختص؟ تقدّم الفكر للملكية الفكرية خدمة حماية الحقوق ومكافحة التقليد: دعاوى التعدي وإجراءات الجمارك والمطالبة بالتعويض.

ولعل ما يستحق التأمل في هذا النظام، من منظور الملكية الفكرية، أنه لا يقتصر على تنظيم الأعمال والعقود التجارية بمفهومها التقليدي، وإنما يضع الحقوق الفكرية ضمن البناء القانوني للمتجر، ويعالج بعض الآثار المترتبة على استغلالها وانتقالها، بما يعزز النظر إليها بوصفها أصولا اقتصادية قابلة للتملك والاستثمار والتداول، في الحدود التي تقررها الأنظمة الخاصة.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في المادة السابعة عشرة التي عدت حقوق الملكية الفكرية من العناصر غير المادية للمتجر، إلى جانب السمعة والشهرة التجارية والاسم التجاري والتراخيص والموقع الإلكتروني والعناصر الإلكترونية الأخرى. ولا تكمن أهمية النص في مجرد الاعتراف بهذه الحقوق، فهي محمية أصلا بموجب أنظمتها المتخصصة، وإنما في إدراجها صراحة ضمن الكيان الاقتصادي الذي تقوم عليه التجارة، وما يتبع ذلك من آثار عند التصرف في المتجر أو انتقال ملكيته.

ويكتسب هذا الحكم بعدا أعمق عند قراءته مع المادة الثامنة عشرة التي تجيز نشوء المتجر بتوافر عنصر غير مادي واحد على الأقل، متى كان ذلك كافيا بالنظر إلى طبيعة العمل التجاري. فقد تقوم القيمة الاقتصادية لمنشأة تقنية على برنامج حاسوبي، أو لمنشأة إعلامية على حقوق إنتاج ومحتوى، أو لمشروع تجاري على علامة اكتسبت شهرة واسعة، دون أن تكون موجوداته المادية هي العنصر الحاسم في وجوده وقيمته.

ومن المسائل اللافتة كذلك ما قررته المادة التاسعة بشأن المصنفات الفكرية، حين استثنت من الأعمال التجارية بيع الشخص الطبيعي مصنفا ابتكره بنفسه أو بواسطة معاونيه، أو بيع نسخ منه، أو إجراء تصرف يتعلق بصور استغلاله الجائزة نظاما. ويكشف هذا النص عن تمييز دقيق بين الإبداع بوصفه نشاطا فكريا أصيلا، وبين احتراف استغلال الإبداع بوصفه نشاطا تجاريا. فالمؤلف لا يتحول إلى تاجر لمجرد بيعه حقوق استغلال مؤلفه، بينما تدخل أنشطة النشر والتسجيل والإعلان والتسويق وتقنية المعلومات في نطاق الأعمال التجارية عند ممارستها على سبيل الاحتراف، وفقا للمادة السادسة.

وهذا التمييز ليس شكليا، بل يتصل بالطبيعة القانونية للتصرف والالتزامات الناشئة عنه، دون أن يمس الحماية الموضوعية المقررة للمصنف أو يغير اختصاص القضاء بنزاعات الملكية الفكرية وفق الأنظمة ذات العلاقة. فالحق الفكري يحتفظ بطبيعته وحمايته، حتى وإن اختلف الوصف التجاري للتصرف الذي يرد عليه.

ويمتد أثر النظام إلى صفقات الاستحواذ وبيع المشروعات التجارية. فقد أجازت المادة العشرون التصرف في المتجر بمختلف أنواع التصرفات، وجعلت الأصل شمول التصرف جميع عناصره، مع مراعاة الأحكام والمتطلبات النظامية الخاصة. كما نظمت المواد اللاحقة بعض آثار انتقال المتجر ونفاذ التصرف في مواجهة الغير.

وهنا تبرز مسألة قانونية بالغة الأهمية، وهي أن انتقال المتجر لا ينبغي الخلط بينه وبين انتقال كل حق فكري بمعزل عن طبيعته وشروطه. فقد تكون العلامة التجارية مملوكة للمنشأة، بينما تستخدم برنامجا بموجب ترخيص لا يجيز التنازل عنه، أو تستغل محتوى إبداعيا بموجب اتفاق يمنحها حقوقا محدودة من حيث المدة أو النطاق أو الغرض. ولهذا فإن انتقال النشاط التجاري لا يغني عن فحص سند ملكية كل أصل فكري، وحدود التصرف فيه، والقيود التعاقدية المرتبطة به، وإجراءات القيد أو التسجيل أو الإشهار التي تتطلبها الأنظمة المتخصصة.

ومن واقع الممارسة القانونية، فإن كثيرا من الإشكالات في صفقات الاستحواذ لا تنشأ من الخلاف على قيمة المنشأة، بل من اكتشاف أن بعض العناصر التي بني عليها تقييمها ليست مملوكة لها على النحو المفترض، أو أن حقوق استغلالها مقيدة أو غير قابلة للانتقال دون موافقة صاحب الحق. ومن هنا تتأكد أهمية الفحص القانوني النافي للجهالة في الملكية الفكرية، باعتباره وسيلة للتحقق من حقيقة الأصول التي يجري الاستحواذ عليها، لا مجرد إجراء مكمل للصفقة.

وفي جانب آخر، تحمل المادتان الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون أهمية خاصة في حماية البيئة التجارية من المنافسة غير المشروعة. فقد حظر النظام إلحاق الضرر بالمنافسين، ومن ذلك الممارسات التي تنطوي على التدليس والتضليل المتعلق بمنتجات المنافس أو خدماته أو عمله التجاري، والادعاءات الزائفة التي قد تنزع الثقة عنها، وأتاح للمتضرر طلب وقف هذه الأعمال أو منع وقوعها الوشيك، فضلا عن التعويض عند توافر موجبه.

وتتجلى أهمية هذه الأحكام في الأسواق التي تتداخل فيها العلامة التجارية مع السمعة والثقة والانطباع الذهني لدى المستهلك. فقد لا تكون بعض الممارسات الضارة مجرد اعتداء مباشر على علامة مسجلة، وإنما سلوكا تجاريا يستهدف إضعاف سمعة المنافس أو تضليل الجمهور بشأن منتجاته وخدماته. وهنا يمكن أن تتكامل أحكام المنافسة غير المشروعة مع الحماية المقررة في أنظمة الملكية الفكرية، دون أن يحل أحدهما محل الآخر.

ومع اتساع نطاق الأنشطة القائمة على المحتوى والبرمجيات والخدمات الرقمية، تزداد أهمية النصوص التي تنظم المقابل المالي للعلاقات التجارية. فقد قررت المادة الثانية والثلاثون أصلا مؤداه أن ما يقدمه التاجر من خدمات أو منتجات تتعلق بنشاطه التجاري يكون مقابل عوض، ما لم يقم دليل صريح على التبرع. وهو حكم له أثر عملي في العلاقات التجارية المرتبطة بخدمات التصميم والتطوير والنشر والتسويق وإدارة الأصول غير المادية، مع بقاء انتقال الحقوق الفكرية والترخيص باستغلالها خاضعين لما تقرره الأنظمة والاتفاقيات الخاصة.

ومع ذلك، ينبغي ألا يقرأ نظام المعاملات التجارية باعتباره نظاما جديدا للملكية الفكرية، أو بديلا عن قواعدها المتخصصة. فقد أكدت المادة الثالثة عدم الإخلال بالنصوص النظامية الخاصة، وهو ما يحافظ على استقلال الأحكام المتعلقة بنشوء الحقوق الفكرية ومدد حمايتها والتصرف فيها والقيود الواردة عليها. فالتحول الذي يقدمه النظام لا يتمثل في إعادة تعريف الحق الفكري، وإنما في تعزيز موقعه ضمن العلاقات والمراكز القانونية التجارية.

وأرى أن أهمية هذا التطور ستظهر بصورة أكبر في الممارسة لا في النص وحده، خصوصا في تقييم الشركات، وهيكلة الاستحواذات، وإعداد اتفاقيات الترخيص، وتنظيم العلاقات بين المبدعين والمستثمرين، وتسوية المنازعات التي تتداخل فيها حقوق الملكية الفكرية مع المصالح التجارية. فكلما ازدادت مساهمة الأصول غير المادية في قيمة المنشآت، ازدادت الحاجة إلى معرفة دقيقة بما تملكه تلك المنشآت فعلا، وما تستطيع استغلاله أو نقله إلى الغير.

إن القيمة الحقيقية للملكية الفكرية لا تتوقف عند الحصول على شهادة تسجيل أو كسب دعوى تعد، بل تتجاوز ذلك إلى قدرة صاحب الحق على تحويل ابتكاره إلى أصل منتج، وتنظيم استغلاله، والمحافظة على قيمته عند الاستثمار أو التوسع أو انتقال الملكية.

ومن هذه الزاوية، يعكس نظام المعاملات التجارية تطورا مهما في النظرة التشريعية للأصول الفكرية، ويعزز فكرة أن حماية الملكية الفكرية ليست غاية منفصلة عن النشاط الاقتصادي، بل هي أساس من أسس تكوين القيمة وحفظها وتداولها. فالحماية القانونية تمنح الحق وجوده واستقراره، أما التنظيم التجاري الرشيد فيمنحه القدرة على التحول إلى ثروة مستدامة.

البريد الإلكتروني

info@alfkr.com

رقم الهاتف

966504644436

أوقات العمل

من الأحد للخميس، من 10ص - 6م