إشكالية الملك العام واختلاف مدد حماية حقوق المؤلف بين الدول
من أكثر الإشكالات القانونية تعقيدا في النشر الدولي أن يكون المصنف الواحد متاحا للاستغلال دون إذن في دولة، بينما يظل محميا بحقوق المؤلف في دولة أخرى.
لنفترض أن مؤلفا ألمانيا توفي سنة 1966، وأن ناشرا سعوديا يرغب في ترجمة أحد كتبه إلى العربية وإصداره في المملكة سنة 2026.
في ألمانيا، تمتد الحماية المالية للمصنف طوال حياة المؤلف وسبعين سنة بعد وفاته. وبذلك يبقى الكتاب محميا حتى نهاية سنة 2036، ويدخل الملك العام، من حيث الأصل، ابتداء من 1 يناير 2037.
أما في المملكة العربية السعودية، فتستمر الحماية المالية طوال حياة المؤلف وخمسين سنة بعد وفاته. وبالحساب المجرد للمدة، تنتهي الحماية السعودية بنهاية سنة 2016.
فهل يحق للناشر السعودي ترجمة الكتاب دون موافقة الورثة أو صاحب الحقوق في ألمانيا؟ وهل تنقضي الحماية بمجرد انقضاء المدة السعودية، أم أن استمرارها في دولة المنشأ يؤثر في المركز القانوني للمصنف داخل المملكة؟
تزداد أهمية السؤال مع صدور نظام حقوق المؤلف السعودي الجديد بالمرسوم الملكي رقم (م/169)، ونشره في 13 فبراير 2026، ونفاذه في أغسطس 2026.
فالنظام الجديد أبقى مدة الحماية العامة عند خمسين سنة بعد وفاة المؤلف بموجب المادة الثانية والعشرين، لكنه تضمن في المادة الرابعة والعشرين حكما انتقاليا يستحق اهتماما خاصا، يتعلق بالمصنفات التي لم تنته حمايتها في دول المنشأ المرتبطة بالمملكة باتفاقيات دولية.
وهذا يجعل الإجابة القانونية أدق من مجرد المقارنة الحسابية بين خمسين سنة وسبعين سنة.
أولا: هل حقوق المؤلف حقوق عالمية أم إقليمية؟
لفهم هذه المسألة، ينبغي التمييز بين حماية المصنف في دولة منشئه وحمايته في الدول الأخرى.
فحقوق المؤلف، وإن نشأت عن مصنف واحد، لا تتمتع بالضرورة بالمدة أو النطاق ذاته في جميع دول العالم. بل تخضع الحماية، من حيث الأصل، لقانون الدولة التي تطلب الحماية على إقليمها، وهو ما يعرف في القانون الدولي الخاص بمبدأ قانون بلد الحماية (Lex Loci Protectionis).
وقد كرست اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية هذا المبدأ في المادة الخامسة، التي تقرر استقلال الحماية في الدول الأعضاء، وخضوع نطاق الحماية ووسائل الانتصاف، مع مراعاة أحكام الاتفاقية، لقانون الدولة المطلوب توفير الحماية فيها.
وقد انضمت المملكة العربية السعودية إلى اتفاقية برن، وأصبحت الاتفاقية نافذة بحقها في 11 مارس 2004.
وبناء على ذلك، فإن استمرار حماية كتاب في ألمانيا لا يعني بالضرورة استمرار حمايته المالية في السعودية للمدة ذاتها. كما أن انتهاء حمايته في السعودية لا يؤدي إلى سقوط حقوقه في ألمانيا أو غيرها من الدول.
فالملك العام ليس، في جميع الأحوال، وصفا عالميا للمصنف، وإنما قد يكون وصفا إقليميا يختلف من دولة إلى أخرى.
وهنا يظهر السؤال الأهم: إذا كان النظام السعودي يحمي المصنف خمسين سنة بعد وفاة مؤلفه، فهل يجوز تطبيق هذه المدة على المصنف الألماني، أم يجب مراعاة مدة الحماية الألمانية الأطول؟
ثانيا: ماذا تقول اتفاقية برن عن اختلاف مدد الحماية؟
حددت المادة السابعة من اتفاقية برن المدة العامة للحماية بحياة المؤلف وخمسين سنة بعد وفاته، مع إجازة منح الدول الأعضاء مدد حماية أطول.
ولهذا اختارت ألمانيا، شأنها شأن غالبية دول الاتحاد الأوروبي، الحماية لمدة سبعين سنة بعد الوفاة، بينما أبقت السعودية على خمسين سنة.
لكن الأهم هنا هو الفقرة الثامنة من المادة السابعة من الاتفاقية، التي تقرر قاعدتين مترابطتين:
الأولى أن مدة الحماية يحددها قانون الدولة المطلوب توفير الحماية فيها.
والثانية أنه، ما لم ينص تشريع تلك الدولة على خلاف ذلك، لا يجوز أن تتجاوز مدة الحماية مدة الحماية المقررة في دولة منشأ المصنف.
وتعرف القاعدة الثانية باسم قاعدة المدة الأقصر (Rule of the Shorter Term) أو مقارنة مدد الحماية.
ومن المهم عدم الخلط بين القاعدتين.
فإذا كان المصنف ألمانيا ومدة حمايته في ألمانيا سبعين سنة، فإن ذلك لا يلزم، بمفرده، السعودية بمنحه سبعين سنة. لأن قاعدة المدة الأقصر تضع حدا أقصى في بعض الحالات، ولا تفرض على الدولة ذات المدة الأقصر تمديد حمايتها لتساوي دولة المنشأ.
أما إذا كان المصنف سعوديا، ونشر لأول مرة في المملكة، ويراد استغلاله في دولة أوروبية تمنح سبعين سنة، فقد تؤدي قواعد المقارنة المقررة في الاتحاد الأوروبي إلى قصر الحماية على المدة السعودية، متى توافرت شروط تطبيق المادة السابعة من التوجيه الأوروبي رقم 2006/116/EC، ومنها ما يتعلق بدولة المنشأ وجنسية المؤلف.
إذن، لا ينبغي اختزال المسألة في القول إن مدة السبعين سنة تتبع المصنف أينما ذهب، أو أن المدة الأقصر تسري دائما دون استثناء.
بل يجب فحص القانون الوطني، واتفاقية برن، وتحديد دولة المنشأ القانونية للمصنف، وأي أحكام خاصة أو انتقالية.
ثالثا: إشكالية جديدة في نظام حقوق المؤلف السعودي لعام 2026
هنا نصل إلى أهم نقطة في هذا البحث.
فالمادة الثانية والعشرون من نظام حقوق المؤلف السعودي الجديد واضحة في تقرير انتهاء الحماية المالية بعد خمسين سنة من وفاة المؤلف، وبدء احتساب المدة من بداية السنة التالية للوفاة.
كما نصت المادة الخامسة والعشرون على دخول المصنفات التي تنقضي حمايتها المالية إلى الملك العام.
ولكن المادة الرابعة والعشرين جاءت بحكم يستحق التحليل المتأني.
فهي تتناول سريان الحماية على المصنفات السابقة للنظام، وتشير إلى المصنفات التي لم تنقض حمايتها بموجب النظام السابق، أو لم تسقط عنها الحماية في دول المنشأ التي ترتبط مع المملكة باتفاقيات دولية، وذلك مع إحالة صريحة إلى مدد الحماية المنصوص عليها في النظام الجديد.
وتكمن دقة النص في استعمال حرف العطف (أو) بدلا من الجمع بين الشرطين.
وهذا يثير إشكالية تفسيرية حقيقية:
هل قصد المنظم السعودي تمكين بعض المصنفات الأجنبية من الاستفادة من الحماية رغم انقضاء حمايتها وفق النظام السابق، طالما أنها لا تزال محمية في دولة المنشأ؟
أم أن المادة الرابعة والعشرين لا تتجاوز تحديد المصنفات التي يجوز أن تستفيد من النظام الجديد، شريطة ألا تتجاوز في النهاية مدد الحماية المحددة في المادة الثانية والعشرين؟
يمكن تصور اتجاهين في تفسير النص.
الاتجاه الأول: أولوية مدة الحماية السعودية.
يرى هذا الاتجاه أن الإحالة الصريحة في المادة الرابعة والعشرين إلى مدد المادة الثانية والعشرين تمنع اعتبارها امتدادا عاما لمدة الحماية الأجنبية.
وعليه، قد تسمح المادة الانتقالية بإدخال بعض المصنفات في نطاق الحماية الجديدة إذا تغيرت طريقة حساب مدتها أو تصنيفها، لكنها لا تمنح الكتاب الألماني تلقائيا عشرين سنة إضافية فوق الخمسين سنة السعودية.
ويدعم هذا الفهم أن المادة الخامسة والعشرين تجعل انقضاء الحماية المالية سببا لدخول المصنف الملك العام.
الاتجاه الثاني: الأثر المستقل للحماية القائمة في دولة المنشأ.
يمكن، في المقابل، الاستناد إلى صياغة المادة الرابعة والعشرين للقول إن المنظم تعمد الاعتداد ببقاء الحماية في دولة المنشأ، حتى عندما لا تتحقق حالة استمرار الحماية وفق النظام السابق.
وهذا الفهم يثير احتمال امتداد أثر الحماية أو تجددها لبعض المصنفات الأجنبية، غير أنه يصطدم بسؤال آخر: كيف يمكن التوفيق بين هذه النتيجة والمدة السعودية المحددة بخمسين سنة؟
وهل تكون المادة الرابعة والعشرون حكما استثنائيا خاصا، أم مجرد حكم انتقالي مقيد بمدة المادة الثانية والعشرين؟
في تقديري، فإن القراءة التي تقيد الحماية بمدد المادة الثانية والعشرين أقرب إلى بنية النظام، لكنها ليست قراءة تحسم جميع الإشكالات التي يثيرها حرف (أو) في المادة الرابعة والعشرين.
ولم أجد في اللائحة التنفيذية الجديدة، الصادرة في 31 يوليو 2026، نصا صريحا يحسم هذه الحالة تحديدا: مصنف أجنبي مضى على وفاة مؤلفه أكثر من خمسين سنة، لكنه ما زال محميا في دولة المنشأ.
وعليه، فإن من غير الدقيق إعطاء ناشر سعودي موافقة قانونية نهائية على استغلال الكتاب دون بحث أثر المادة الانتقالية، خصوصا إذا كانت حقوق النشر الأجنبية قائمة ويمارسها أصحابها.
وهذه، في رأيي، من المسائل التي تستحق صدور تفسير أو إيضاح تنظيمي من الهيئة السعودية للملكية الفكرية، مراعاة لاستقرار معاملات النشر والاستثمار في المصنفات الأجنبية.
رابعا: هل انتهاء الحقوق المالية يعني انتهاء جميع حقوق المؤلف؟
حتى إذا انتهت الحماية المالية للمصنف، فإن ذلك لا يعني انتهاء كل ارتباط قانوني بينه وبين مؤلفه.
فالنظام السعودي يميز بين الحقوق المالية والحقوق الأدبية.
وقد قررت المادة السابعة من النظام الجديد أن الحقوق الأدبية حقوق أبدية، لا تخضع للتقادم ولا تقبل التنازل، وتنتقل إدارتها إلى الخلف العام بعد وفاة المؤلف.
وتشمل هذه الحقوق نسبة المصنف إلى مؤلفه، ومنع نسبته إلى غيره، والاعتراض على التعديلات التي تنطوي على تشويه أو تحريف يضر بسمعة المؤلف.
فإذا انتهت حماية رواية أجنبية، وأصبحت قابلة للترجمة والاستغلال المالي في السعودية، فإن ذلك لا يبيح للناشر نسبة الرواية إلى نفسه، أو إخفاء اسم مؤلفها على نحو يخل بحقوقه الأدبية، أو إدخال تغييرات مشوهة على مضمونها تسيء إلى سمعته.
وينبغي هنا التمييز بين الترجمة بوصفها نقلا أمينا للمصنف إلى لغة أخرى، وبين التحريف الذي يغير مضمونه أو يسيء إلى صاحبه.
ولا يصح تحويل الحماية الأدبية الأبدية إلى وسيلة لإعادة إنشاء احتكار مالي انتهت مدته، كما لا يصح اعتبار انتهاء الحقوق المالية مبررا لإهدار شخصية المؤلف ونسبة المصنف إليه.
خامسا: إذا كان الأصل في الملك العام، فهل تصبح ترجماته ملكا عاما أيضا؟
لنفترض أن الرواية الألمانية أصبحت بالفعل ضمن الملك العام في السعودية، وأن ناشرا ألمانيا سبق أن أصدر ترجمة إنجليزية لها سنة 2010.
ثم أراد ناشر سعودي سنة 2026 أن يترجم الرواية إلى العربية، لكنه لا يعرف الألمانية، ويعتزم الاعتماد على الترجمة الإنجليزية.
هنا نكون أمام مصنفين مختلفين من حيث الحماية:
المصنف الأصلي: الرواية الألمانية، التي نفترض انتهاء حقوقها المالية في السعودية.
المصنف المشتق: الترجمة الإنجليزية، التي قد تكون محمية بحقوق مستقلة لمترجمها.
فالمادة الثالثة من النظام السعودي تحمي المصنفات المشتقة، دون إخلال بالحماية المقررة للمصنفات التي اشتقت منها، وهو ما يتفق مع المادة الثانية من اتفاقية برن.
وبالتالي، فإن انتهاء حماية الأصل لا يسقط تلقائيا حقوق المترجم.
وإذا أراد الناشر السعودي ترجمة النسخة الإنجليزية، فقد يحتاج إلى إذن من صاحب حقوقها، حتى لو كان الأصل الألماني متاحا للاستغلال.
وينطبق الأمر ذاته على ترجمة عربية قديمة لا تزال محمية. فلا يجوز نسخ نصها أو إعادة نشرها لمجرد سقوط حقوق العمل الأصلي.
فالذي يدخل الملك العام هو التعبير الأصلي الذي انقضت حمايته، وليس بالضرورة جميع الإبداعات اللاحقة المبنية عليه.
وهذا التفريق مهم للناشرين الذين يعتمدون على طبعات حديثة للكتب الكلاسيكية، سواء تضمنت ترجمة أو تعليقات علمية أو رسوما أو إضافات تحريرية مبتكرة.
سادسا: هل يجوز نشر الترجمة السعودية إلكترونيا وبيعها خارج المملكة؟
هذه من أكثر الإشكالات العملية أهمية.
فلنفترض أن الناشر السعودي، بعد دراسة الوضع القانوني، توصل إلى جواز إصدار ترجمة جديدة داخل المملكة دون ترخيص من صاحب الحقوق الألماني.
وطبع الكتاب في الرياض، ثم عرضه على موقع إلكتروني يتيح شراء النسخ الورقية أو الإلكترونية من مختلف دول العالم.
هنا قد تتغير النتيجة القانونية بصورة جوهرية.
فالمصنف الذي انتهت حمايته المالية في السعودية لا يزال محميا في ألمانيا حتى نهاية سنة 2036، وفق الفرض السابق.
وقد يؤدي عرض النسخ للبيع في ألمانيا أو توزيعها فيها أو إتاحتها إلكترونيا لجمهورها إلى نشوء أفعال استغلال تخضع للقانون الألماني.
ولا يكفي القول إن دار النشر مسجلة في السعودية أو أن خادم الموقع الإلكتروني موجود في الرياض.
إذ ينبغي النظر إلى الأسواق المستهدفة، وأماكن التسليم، والجمهور الذي تتاح له النسخ، وطبيعة أفعال الاستغلال في كل دولة.
وقد تكون عملية ترجمة الكتاب وطباعته داخل السعودية مشروعة وفق القانون السعودي، في حين يثير تصدير نسخ منه إلى ألمانيا مسؤولية قانونية هناك.
وهذا يقتضي من الناشر الذي يعتمد على إقليمية الحماية أن يضع سياسة واضحة للتوزيع، بما في ذلك تحديد الدول المرخصة أو المسموح بالتوزيع فيها، وإجراءات التقييد الجغرافي المناسبة للنسخ الإلكترونية.
ولا ينبغي افتراض أن وجود تقييد جغرافي تقني وحده كاف لنفي المسؤولية في جميع الحالات.
فالترخيص الذي لا يحتاج إليه الناشر في سوق معينة، قد يصبح ضروريا بمجرد دخوله سوقا أخرى.
سابعا: هل تختلف النتيجة إذا كان الكتاب لم ينشر في حياة مؤلفه؟
نعم، وهذه مسألة كثيرا ما تغيب عن الدراسات الأولية للحقوق.
فقد يتوفى المؤلف سنة 1966، لكنه يترك مخطوطا لم ينشر، ثم يعثر عليه أحد ورثته بعد مرور عقود.
وفي هذه الحالة، لا يكفي حساب السنوات منذ الوفاة.
إذ ينبغي فحص الأحكام الخاصة بالحقوق الأدبية، والنشر الأول، والمصنفات غير المنشورة، وكذلك أي حقوق خاصة يمنحها قانون الدولة ذات العلاقة لأول ناشر مشروع للمصنف بعد انتهاء الحماية الأصلية.
فعلى سبيل المثال، يقرر القانون الألماني في المادة 71 حق استغلال خاصا، لمدة خمس وعشرين سنة، لمن ينشر لأول مرة بصورة مشروعة مصنفا لم يسبق نشره بعد انتهاء حماية حق المؤلف عليه. كما تقرر المادة 70 حماية خاصة لبعض الطبعات العلمية المستوفية لشروطها.
وهذا لا يعني أن هذه الحقوق الألمانية تمتد تلقائيا إلى السعودية بالمدة نفسها، لكنه يبين لماذا يجب فحص طبيعة النسخة التي يراد ترجمتها، وليس الاكتفاء باسم المؤلف وتاريخ وفاته.
وقد تكون الرواية الأصلية قديمة، لكن المخطوط المنشور لأول مرة أو الطبعة العلمية التي يعتمد عليها المشروع خاضعة لحقوق إضافية.
ثامنا: ماذا عن المصنفات المشتركة والمجهولة والطبعات الحديثة؟
لا تصلح قاعدة وفاة المؤلف وخمسين سنة للتطبيق على جميع المصنفات بالطريقة نفسها.
فإذا اشترك مؤلفان في كتابة كتاب، فإن المدة السعودية تحسب، وفقا للمادة الثانية والعشرين، من وفاة آخر من بقي حيا من مؤلفيه. فإذا توفي الأول سنة 1960 والثاني سنة 1990، فلا يصح اعتبار المصنف ضمن الملك العام في السعودية سنة 2026 لمجرد وفاة الأول منذ أكثر من خمسين سنة.
وكذلك تخضع المصنفات مجهولة المؤلف، والمصنفات ذات الاسم المستعار، والمصنفات التي يكون مؤلفها شخصا اعتباريا، لأحكام خاصة بحساب المدة، ويرتبط بعضها بتاريخ أول نشر مع مراعاة ما يقرره النظام إذا عرفت هوية المؤلف.
أما الطبعات الحديثة للمصنفات القديمة، فينبغي فصل الحقوق المتعلقة بالنص الأصلي عن الحقوق التي قد تنشأ للرسوم والمقدمات والتعليقات والاختيارات المبتكرة والترتيب الإبداعي.
فإضافة مقدمة نقدية مبتكرة إلى كتاب من الملك العام لا تعيد الحماية إلى الكتاب الأصلي كله، لكنها قد تمنح صاحب المقدمة حقا مستقلا على إنتاجه.
كما أن إعادة طباعة كتاب قديم دون مساهمة إبداعية جديدة لا ينبغي أن تكون، بمجردها، وسيلة لاحتكار النص الذي آل إلى الملك العام.
تاسعا: ماذا لو انتهت الحماية في ألمانيا قبل السعودية؟
لنفترض العكس.
لدينا مصنف أجنبي تنتهي حمايته في دولة منشئه في وقت أقرب من الموعد الذي ينتهي فيه احتساب الحماية وفقا للقانون السعودي.
هل يستمر محميا في المملكة إلى نهاية المدة السعودية؟
هنا تظهر أهمية الفقرة الثامنة من المادة السابعة لاتفاقية برن.
فالأصل الوارد فيها ألا تتجاوز مدة الحماية في الدولة المطلوب توفير الحماية فيها مدة الحماية في دولة المنشأ، ما لم ينص تشريع الدولة على خلاف ذلك.
غير أن تطبيق هذه القاعدة يتطلب فحص التشريع السعودي المعني، والأحكام الانتقالية، وتحديد دولة المنشأ على وجه صحيح.
ودولة المنشأ في اتفاقية برن ليست بالضرورة دولة جنسية المؤلف. فقد تتحدد، في حالات كثيرة، بحسب مكان النشر الأول، مع قواعد خاصة بالنشر المتزامن والأعمال غير المنشورة وبعض أنواع المصنفات.
ولهذا فإن عبارة (المؤلف ألماني) وحدها لا تكفي دائما للجزم بأن ألمانيا هي دولة منشأ المصنف بالمعنى الاتفاقي.
ومن المهم كذلك عدم التعامل مع عبارة (الملك العام في دولة المنشأ) باعتبارها نتيجة تغني عن مراجعة أحكام دولة الحماية.
فقد تؤدي بعض التشريعات أو الأحكام الانتقالية إلى نتائج تختلف عن الحساب الأولي للمدد.
عاشرا: هل يستطيع الناشر الحصول على ترخيص لترجمة المصنف إذا تعذر الوصول إلى الورثة؟
أوجد نظام حقوق المؤلف السعودي الجديد مسارا نظاميا يستحق الاهتمام، وهو الترخيص الإجباري.
فالمادة الأربعون من النظام أجازت طلب الترخيص الإجباري لمصنف محمي، وأسندت إلى اللائحة تحديد الحالات والشروط والإجراءات.
وقد نظمت اللائحة التنفيذية الجديدة، في المواد الحادية والثلاثين وما بعدها، تراخيص ترجمة المصنفات إلى العربية واستنساخها.
ومن الحالات التي تناولتها اللائحة عدم قيام صاحب الحق بترجمة المصنف بعد مضي ثلاث سنوات من أول نشره، أو رفض الترجمة، أو عدم توفير نسخ بديلة بعد نفادها، وذلك ضمن شروط محددة.
لكن من المهم التأكيد أن هذه التراخيص مقيدة بتلبية الاحتياجات التعليمية أو البحثية غير الربحية، ولا تشكل ترخيصا عاما لدور النشر التجارية لبيع الترجمات دون موافقة أصحاب الحقوق.
كما تتطلب إجراءات ومحاولات للحصول على ترخيص تعاقدي، وتقر تعويضا عادلا لصاحب الحق، وتضع قيودا على تداول النسخ وتصديرها.
وهنا توجد نقطة تستحق الإشارة: المملكة أودعت لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية إخطارا في فبراير 2025 بالاستفادة من التسهيلات المنصوص عليها في الملحق الخاص باتفاقية برن والمتعلقة، في حدود شروطها، بالترجمة والاستنساخ. ويمتد نفاذ الإخطار من 11 مايو 2025 حتى 10 أكتوبر 2034.
وهذا يعكس وجود إطار دولي يسمح للدول المستفيدة بتنظيم إتاحة بعض المصنفات لأغراض التعليم والبحث، دون تحويلها تلقائيا إلى الملك العام.
ومن ثم، فإن الناشر الذي لا يستطيع الوصول إلى الورثة يجب أن يميز بين ثلاثة أوضاع قانونية مختلفة: انتهاء الحماية المالية فعلا، وتعذر معرفة صاحب الحق أو الوصول إليه مع استمرار الحماية، وإمكانية الحصول على ترخيص إجباري وفقا لشروطه.
فتعذر الوصول إلى الورثة لا يعني سقوط الحقوق، كما أن عدم وجود ترجمة عربية لا يعني إباحة الترجمة التجارية تلقائيا.
حادي عشر: ماذا عن المصنف الذي دخل الملك العام ثم تغير النظام؟
يثير النظام السعودي الجديد سؤالا أوسع من المثال الألماني.
فهل يجوز أن تعود الحماية إلى مصنف سبق أن دخل الملك العام؟
من حيث المبدأ، ليست عودة الحماية إلى بعض المصنفات أمرا مستحيلا في التجارب القانونية المقارنة.
فقد عرفت بعض الدول قواعد انتقالية لاستعادة أو إعادة إقرار حماية مصنفات معينة بعد تعديل التشريعات أو تنفيذ التزامات دولية.
لكن ذلك يحتاج إلى أساس تشريعي واضح، مع بحث أثره على من بدأ استغلال المصنف بصورة مشروعة أثناء وجوده في الملك العام.
وتظهر هنا مسائل دقيقة:
هل تمتد الحماية المستعادة إلى النسخ المطبوعة قبل نفاذ التشريع؟ وهل يجوز للناشر بيع مخزونه السابق؟ وماذا عن عقد ترجمة أبرم بصورة مشروعة قبل استعادة الحماية؟ وهل يستحق صاحب الحق تعويضا عن استغلال كان مباحا عند وقوعه؟
هذه الأسئلة ليست افتراضية بحتة؛ فقد نشأت إشكالات مماثلة في تجارب دولية عند تعديل مدد الحماية أو إعادة حماية بعض المصنفات الأجنبية.
وفي السعودية، تستدعي المادة الرابعة والعشرون من النظام الجديد دراسة هذه الاحتمالات، لا سيما أن النص يستخدم صياغة تختلف عن المادة العشرين من نظام حماية حقوق المؤلف السابق.
ومن شأن توضيح حدود تطبيق هذه المادة أن يعزز اليقين القانوني، ويحمي الاستثمارات المشروعة في النشر والترجمة، ويمنع النزاعات الناتجة عن اختلاف تفسير المدد الانتقالية.
ثاني عشر: كيف يتحقق الناشر السعودي من دخول مصنف أجنبي إلى الملك العام؟
من الناحية المهنية، لا يكفي البحث في الإنترنت عن سنة وفاة المؤلف، ولا الاعتماد على عبارة Public Domain الواردة في موقع أجنبي.
وأرى أن مشروع ترجمة المصنف الأجنبي يستلزم إعداد مذكرة تحقق من الوضع الحقوقي للمصنف (Copyright Clearance Opinion) قبل التعاقد مع المترجم أو الشروع في الطباعة.
وتشمل هذه المذكرة، على الأقل، التحقق من هوية المؤلف وجميع المؤلفين المشاركين، وتاريخ الوفاة، ودولة المنشأ وفقا للمعايير الاتفاقية، وتاريخ النشر الأول، وطبيعة المصنف، والطبعة المصدر، وأصحاب الحقوق المستقلة فيها، ومدة الحماية في الدول المستهدفة، مع فحص الأحكام الانتقالية للنظام السعودي.
كما يجب تحديد مكان الترجمة والطباعة والتوزيع، وما إذا كان المشروع يقتصر على المملكة أو يمتد إلى الأسواق الخارجية والمنصات الرقمية.
وعند وجود غموض جوهري في تطبيق المادة الرابعة والعشرين على مصنف أجنبي، يكون من المناسب طلب توضيح مكتوب من الهيئة السعودية للملكية الفكرية، مع العلم أن التفسير الملزم في النزاع يعود إلى الجهة القضائية المختصة.
والغاية من ذلك ليست فرض تراخيص لا يوجبها النظام، بل التأكد من أن القرار الاستثماري مبني على مركز قانوني يمكن الدفاع عنه.
الخلاصة: هل نترجم الكتاب الألماني دون إذن؟
نعود إلى مثال المؤلف الألماني المتوفى سنة 1966.
وفقا للمادة الثانية والعشرين من نظام حقوق المؤلف السعودي، فإن حساب مدة الحماية المالية يقود إلى انتهائها بنهاية سنة 2016. أما وفق القانون الألماني، فتستمر حتى نهاية سنة 2036.
وبحسب مبدأ إقليمية الحماية وقاعدة المادة السابعة من اتفاقية برن، فإن امتداد الحقوق في ألمانيا إلى سبعين سنة لا يفرض، بحد ذاته، المدة الألمانية على السعودية.
وعلى هذا الأساس، توجد حجة قانونية قوية لجواز إعداد ترجمة عربية جديدة واستغلالها داخل السعودية بعد انقضاء مدة الحماية السعودية، دون حاجة إلى ترخيص مالي عن النص الأصلي، بشرط مراعاة الحقوق الأدبية والحقوق المستقلة الأخرى.
غير أن المادة الرابعة والعشرين من النظام السعودي الجديد تثير سؤالا جديا عن أثر استمرار حماية المصنف في دولة منشئه على سريان الحماية الانتقالية في المملكة، وهو سؤال لا يصح تجاهله عند اتخاذ قرار نشر تجاري.
لذلك، لا أرى أن المقارنة الحسابية وحدها تكفي لمنح الناشر تأكيدا قانونيا نهائيا في المثال المطروح، ولا أرى كذلك أن استمرار الحماية في ألمانيا يعني تلقائيا حظر الترجمة في السعودية حتى سنة 2037.
والتمييز بين هذين الأمرين هو جوهر المسألة القانونية.
إن دخول المصنف إلى الملك العام ليس مجرد واقعة زمنية، بل نتيجة قانونية تستلزم تحديد الدولة، والقانون الواجب التطبيق، وطبيعة الحقوق، والأحكام الانتقالية ذات الصلة.
ويبقى الملك العام جزءا أصيلا من التوازن الذي تقوم عليه الملكية الفكرية. فكما أن حماية المؤلف تمنحه فرصة الاستفادة من إبداعه، فإن انتهاء هذه الحماية يتيح للمجتمع إعادة تقديم المصنفات وترجمتها والبناء عليها وإتاحتها لأجيال جديدة.
ومن هنا، فإن وضوح قواعد دخول المصنفات الأجنبية إلى الملك العام في المملكة لا يخدم الناشرين والمترجمين وحدهم، بل يسهم في تنمية صناعة المحتوى العربي، وتعزيز الاستثمار في الترجمة، وإثراء المشهد الثقافي والمعرفي.
فالسؤال لم يعد فقط: متى تنتهي حقوق المؤلف؟ وإنما: أين تنتهي، وعلى أي حقوق تنتهي، وهل يمكن أن تستمر أو تعود بحكم تشريعي خاص؟
وهذه أسئلة ينبغي حسمها قبل أن يتحول كتاب قديم إلى نزاع قانوني جديد.







