العطور المستوحاة.. هل يجوز تقليد الرائحة دون تقليد العلامة التجارية؟

قراءة قانونية في حدود الاستلهام المشروع، واستعمال العلامات التجارية للغير في تسويق العطور

هل يحق لتاجر أن يصنع عطرا برائحة مطابقة تقريبا لعطر (سوفاج) من ديور، ثم يبيعه تحت علامته التجارية الخاصة؟ وهل يختلف الحكم إذا كتب على العبوة أو في متجره الإلكتروني عبارة (مستوحى من سوفاج)؟

أثارت العطور المستوحاة من العلامات العالمية جدلا متزايدا في سوق العطور، خصوصا مع انتشار العلامات المحلية التي تقدم روائح مشابهة لعطور شهيرة بأسعار أقل كثيرا من أسعار المنتجات الأصلية.

وتتباين المواقف تجاه هذه الظاهرة؛ فهناك من يعدها منافسة مشروعة تمنح المستهلك خيارات أوسع، ويرى آخرون أنها استغلال للجهود الإبداعية والتجارية التي بذلتها دور العطور العالمية في تطوير منتجاتها وتسويقها وبناء سمعتها.

غير أن الحكم القانوني لا يتوقف على مقدار التشابه بين الرائحتين، ولا على استعمال وصف (مستوحى) بدلا من (مقلد)، وإنما يتطلب التمييز بين حقوق متعددة قد تجتمع في المنتج العطري الواحد.

والنتيجة التي ينطلق منها هذا المقال أن محاكاة رائحة عطر مشهور لا تعد، بمجردها، انتهاكا لحقوق الملكية الفكرية، ولكن استخدام اسم ذلك العطر في تسويق المنتج المنافس قد يشكل تعديا مستقلا، حتى لو كانت الرائحة نفسها غير محمية بحق حصري.

وهنا تكمن المسألة القانونية الأكثر إثارة في سوق العطور المستوحاة.

أولا: هل يمكن احتكار رائحة العطر قانونا؟

ينبغي ابتداء التمييز بين الرائحة بوصفها أثرا حسيا، والتركيبة الكيميائية التي تنتج تلك الرائحة.

فالرائحة التي نشمها ليست بالضرورة محلا لحق احتكاري يمنع الآخرين من الوصول إلى نتيجة حسية مماثلة.

فلو ابتكرت إحدى الشركات عطرا يجمع روائح البرغموت والفلفل والأخشاب والمسك بنسب معينة، ثم استطاعت شركة أخرى تطوير تركيبة مستقلة تمنح المستهلك انطباعا عطريا قريبا، فإن مجرد تشابه الرائحتين لا يكفي للحكم بوجود انتهاك.

والسبب أن حماية الملكية الفكرية لا تمتد تلقائيا إلى كل نتيجة إبداعية أو تجارية، وإنما تتحدد وفق طبيعة الحق المحمي وشروط اكتسابه ونطاقه.

وفي صناعة العطور، يمكن أن تتوزع الحماية على أربعة مجالات رئيسية:

1. براءات الاختراع

قد تكون التركيبة العطرية، أو إحدى المواد المستخدمة فيها، أو طريقة تصنيعها، محلا لبراءة اختراع إذا استوفت شروط الحماية النظامية، ومنها الجدة والخطوة الابتكارية والقابلية للتطبيق الصناعي.

وفي هذه الحالة، فإن تصنيع تركيبة تقع ضمن نطاق مطالبات براءة نافذة في المملكة قد يشكل تعديا عليها، حتى لو توصل المنافس إليها بصورة مستقلة.

أما مجرد تشابه الرائحة فلا يثبت بذاته وقوع التعدي على البراءة؛ إذ يلزم الرجوع إلى المطالبات المحمية ومقارنتها بالمنتج محل النزاع.

2. الأسرار التجارية

قد تختار الشركة المحافظة على سرية تركيبتها بدلا من الإفصاح عنها في طلب براءة اختراع.

وهنا تحظى التركيبة بالحماية متى توافرت فيها شروط السر التجاري، وفي مقدمتها سريتها وقيمتها التجارية واتخاذ تدابير معقولة للمحافظة عليها.

فإذا حصل أحد العاملين في مصنع للعطور على تركيبة سرية، ثم نقلها إلى منافس بالمخالفة لالتزاماته، فقد تقوم مسؤولية عن انتهاك السر التجاري.

لكن ثمة تفصيل نظامي بالغ الأهمية.

فقد قررت المادة الثالثة من لائحة حماية المعلومات التجارية السرية السعودية أن التوصل إلى السر التجاري بصورة مستقلة أو عن طريق الهندسة العكسية لا يعد، في ذاته، مخالفة للممارسات التجارية النزيهة.

وهذا يعني أن تحليل عطر متاح في الأسواق ومحاولة التوصل بصورة مشروعة إلى تركيبته يختلف قانونا عن سرقة وثيقة سرية من المصنع الذي ينتجه، مع بقاء ضرورة احترام أي براءة اختراع نافذة أو التزام تعاقدي معتبر. saip.gov.sa

3. التصاميم الصناعية

قد تكون زجاجة العطر، أو شكل غطائها، أو التكوين الشكلي المميز لعبوتها، محلا لحماية مستقلة متى استوفت شروطها.

وعليه، فقد تكون الرائحة المستوحاة مشروعة، بينما يشكل استعمال زجاجة تحاكي تصميما صناعيا محميا انتهاكا لذلك الحق.

4. العلامات التجارية

تشمل الحماية اسم العطر وشعاره وغيرهما من العلامات المميزة، وقد تمتد إلى بعض العناصر الشكلية والتغليف متى استوفت شروط الحماية.

وقد أشارت الهيئة السعودية للملكية الفكرية في توعية نشرتها عام 2024 إلى مجالات حماية العطور، ومنها براءات الاختراع والتصاميم والأسرار التجارية والعلامات التجارية، وهو ما يؤكد أن حماية العطر ليست حقا واحدا يمتد بالضرورة إلى جميع عناصره.

وتجدر الإشارة إلى أن النظام الخليجي يجيز من حيث المبدأ اعتبار الرائحة علامة تجارية، ولكن ذلك لا يعني أن كل رائحة عطر محمية تلقائيا، أو أن تسجيل اسم العطر يمنح صاحبه احتكارا لرائحته.

فحماية الرائحة بوصفها علامة تتطلب استيفاء شروط تسجيلها وتمييزها لمصدر السلع أو الخدمات، وهي مسألة مختلفة عن حماية تركيبة العطر.

ثانيا: هل صناعة عطر مطابق في الرائحة لعطر مشهور تعد تقليدا؟

لنفترض أن شركة سعودية طورت عطرا باسم (أفق)، واستطاعت إنتاج رائحة شديدة الشبه بعطر (سوفاج) من ديور.

وكانت الوقائع على النحو الآتي:

  • العطر يحمل اسما وعلامة تجارية مستقلين.
  • الزجاجة والتغليف مختلفان تماما عن المنتج الأصلي.
  • التركيبة مطورة بصورة مشروعة.
  • لا توجد براءة اختراع نافذة يجري التعدي عليها.
  • لا يتضمن التسويق استعمالا مخالفا لعلامات الغير.

في هذه الحالة، لا يصح اعتبار المنتج منتهكا لحقوق الملكية الفكرية لمجرد أن رائحته تشبه العطر الشهير، ولو بلغت درجة التشابه حدا كبيرا.

فالتشابه الحسي ليس مرادفا للتعدي القانوني.

وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين يختلطان في السوق:

تقليد المنتج من الناحية التجارية، وتقليد حق محمي من الناحية القانونية.

قد يصف المستهلك عطرا بأنه (تقليد) لعطر آخر لأنه يشبهه في الرائحة، لكن ذلك لا يكفي وحده لإثبات جريمة تقليد علامة تجارية، أو انتهاك براءة اختراع، أو اعتداء على سر تجاري.

كما أن تطوير منتج يشبه منتجا ناجحا في بعض خصائصه لا يعد بالضرورة ممارسة غير مشروعة.

فالمنافسة المشروعة تسمح للمنتجين بالتنافس في الجودة والسعر والخصائص، ما دامت لا تتجاوز الحقوق الحصرية القائمة ولا تعتمد على التضليل أو الاستغلال غير المشروع.

غير أن مشروعية محاكاة الرائحة لا تعني بالضرورة مشروعية جميع الوسائل المستخدمة لبيع العطر المستوحى.

وهنا ننتقل إلى الإشكالية الأهم.

ثالثا: هل يجوز كتابة (عطر مستوحى من سوفاج)؟

لنتصور أن الشركة السعودية السابقة طرحت عطر (أفق) في متجرها الإلكتروني، وكتبت أسفل اسمه:

(مستوحى من عطر Sauvage من Dior).

هنا لم تعد المسألة مقتصرة على تشابه الروائح.

بل أصبحنا أمام استعمال تجاري لاسم منتج وعلامة مملوكين للغير، بهدف تعريف المستهلك بمنتج الشركة الجديدة وتشجيعه على شرائه.

فهل يعد ذلك انتهاكا؟

للإجابة، ينبغي النظر إلى طبيعة استعمال العلامة، وليس إلى مجرد ظهور اسمها في الإعلان.

1. الاستعمال الذي يميز مصدر المنتج

إذا وضعت الشركة كلمة (Sauvage) على زجاجتها بصورة توحي بأنها اسم العطر، أو أظهرت شعار Dior على عبوتها، فإنها تدخل في نطاق أكثر وضوحا من مخاطر الاعتداء على العلامة التجارية.

وقد نصت المادة السابعة عشرة من قانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على حق مالك العلامة المسجلة في منع الغير من استعمال العلامة أو الإشارات المماثلة أو المشابهة لها في سياق التجارة لتمييز السلع والخدمات ذات الصلة، وفق ضوابط النص المتعلقة بإحداث اللبس لدى الجمهور.

كما تقرر المادة الحادية والعشرون من نظام العلامات التجارية السعودي حماية صاحب العلامة من استعمالها أو استعمال ما يشابهها على نحو من شأنه تضليل الجمهور، مع استثناء محدد للاستعمال المنصف لبعض العناصر الوصفية الخالية من الصفة المميزة.

وبالتالي، فإن استعمال العلامة المشهورة بصورة تجعلها جزءا من هوية المنتج المنافس قد يشكل تعديا، حتى لو كانت العبوة تتضمن أيضا علامة محلية مختلفة.

2. الاستعمال الوصفي أو المرجعي للعلامة

لكن ماذا إذا لم تستخدم كلمة (Sauvage) بوصفها اسما للمنتج، وإنما استخدمت فقط للإشارة إلى العطر الذي تشبهه رائحته؟

هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا.

فالأصل أن حقوق العلامات التجارية لا تمنح صاحب العلامة سلطة مطلقة تمنع الآخرين من ذكر اسمها في جميع السياقات.

ومن الأمثلة على ذلك أن يكتب ناقد متخصص مراجعة يقارن فيها بين عطرين، أو يذكر تاجر المنتج الأصلي الذي يتوافر لديه، أو يشير شخص إلى علامة تجارية لتحديد منتج يتحدث عنه.

هذه الاستعمالات تختلف عن اتخاذ العلامة وسيلة لتمييز سلعة منافسة أو استغلال جاذبيتها التجارية.

لكن ينبغي الحذر من نتيجة معاكسة شائعة، وهي الاعتقاد بأن كل استعمال للعلامة بقصد الوصف أو المقارنة مباح بالضرورة.

فالنظام السعودي استثنى صراحة الاستعمال المنصف للعناصر الوصفية الخالية من الصفة المميزة، ولا يصح توسيع هذا الاستثناء تلقائيا ليشمل استعمال اسم مميز ومحمي لعطر مشهور في تسويق عطر منافس.

ومن ثم، فإن كتابة عبارة (مستوحى من سوفاج) ليست جريمة لمجرد ورود الكلمات، وليست مباحة لمجرد أنها تتضمن وصف (مستوحى).

وإنما يتوقف التكييف على السياق الكامل: موضع العبارة، وكيفية إبرازها، والغرض التجاري منها، ومدى ارتباطها بالمنتج، وما إذا كانت تخلق لبسا أو تستغل العلامة على نحو غير مشروع.

فالفرق كبير بين استعمال اسم العلامة للإخبار عن شيء، واستعماله لبيع شيء آخر.

رابعا: هل عبارة (مستوحى من) تحمي التاجر من المسؤولية؟

يعتقد بعض التجار أن استعمال عبارة (مستوحى من) أو (Inspired by) يحميهم قانونا؛ لأنهم يصرحون للمستهلك بأن المنتج ليس أصليا.

لكن هذا الاعتقاد يحتاج إلى تصحيح.

صحيح أن العبارة قد تقلل احتمالات اعتقاد المستهلك بأن العطر صادر من الشركة الأصلية.

إلا أن غياب التضليل بشأن المصدر لا يحسم جميع الإشكالات المتعلقة بحماية العلامة التجارية، وخصوصا عندما تكون العلامة مشهورة.

فقد يكون استعمال العلامة وسيلة للاستفادة من شهرتها وقيمتها الإعلانية، حتى عندما يعرف المستهلك أن المنتج ليس أصليا.

ولنأخذ مثالا توضيحيا.

شركة ناشئة تطرح عشرة عطور بأسماء وأغلفة مستقلة، لكنها تنشر في متجرها جدولا يتضمن أسماء عطور عالمية شهيرة، وتقابل كل اسم بالعطر الذي تنتجه الشركة، وتؤكد أنه البديل الأقل سعرا والمماثل في الرائحة.

هنا قد تجادل الشركة بأنها لم تضلل أحدا، بل ساعدت المستهلك على معرفة خصائص منتجاتها.

وفي المقابل، قد يدفع أصحاب العلامات العالمية بأن الشركة جعلت من علاماتهم التجارية وسيلة أساسية لتسويق منتجاتها، واستفادت من الاستثمار الذي أنفقوه لبناء شهرة تلك العلامات.

وهذا النوع من المنازعات لم يبق افتراضا نظريا، بل وصل إلى القضاء الأوروبي في قضية مهمة.

خامسا: قضية L’Oréal ضد Bellure.. عندما أصبح جدول المقارنة دليلا على التعدي

في عام 2009، أصدرت محكمة العدل الأوروبية حكما مهما في القضية رقم C-487/07، المعروفة بقضية L’Oréal v. Bellure.

وتتلخص وقائع النزاع في قيام شركات بتسويق عطور تحاكي عطورا شهيرة تملك مجموعة لوريال حقوقا في علاماتها، ومنها Trésor وMiracle وAnaïs-Anaïs.

وكانت الشركات المنافسة تستعمل قوائم مقارنة تشير إلى أسماء العطور الأصلية وتقابلها بالعطور البديلة التي تبيعها.

ومن المسائل اللافتة أن بعض المنتجات لم تكن تقدم بطريقة تؤدي بالضرورة إلى اعتقاد المستهلك بأنها صادرة من لوريال.

ومع ذلك، لم يكن انتفاء هذا اللبس كافيا لحسم النزاع لصالح الشركات المنافسة.

فقد قررت محكمة العدل الأوروبية، في تفسيرها للتشريعات الأوروبية ذات العلاقة، أن تقديم منتج في الإعلان المقارن باعتباره محاكاة لمنتج يحمل علامة محمية قد يخرج عن شروط الإعلان المقارن المباح.

وبينت المحكمة أن ذلك يشمل الحالات التي تركز فيها المقارنة على محاكاة خاصية أساسية من خصائص المنتج، مثل الرائحة.

كما تناول الحكم مفهوم الاستفادة غير العادلة من شهرة العلامة التجارية، وقرر أن تحقق هذه الاستفادة لا يشترط دائما إثبات وقوع تضليل للمستهلك.

وتكمن أهمية الحكم في أنه فرق بين محاكاة الرائحة في ذاتها، وبين استغلال العلامة التجارية الأصلية لتسويق تلك المحاكاة.

ولا يعني ذلك أن الحكم الأوروبي ملزم للقضاء السعودي، أو أن أحكام الإعلان المقارن الأوروبية تنطبق تلقائيا في المملكة.

لكنه يقدم تجربة قضائية مقارنة جديرة بالاهتمام عند بحث الحدود الفاصلة بين المنافسة المشروعة واستغلال شهرة العلامات التجارية.

والأهم أن القضية أثبتت أن النزاع قد ينشأ بسبب طريقة تسويق العطر، حتى عندما لا يكون الخلاف منصبا على التركيبة الكيميائية نفسها.

سادسا: ماذا عن حماية العلامات التجارية المشهورة في النظام السعودي والخليجي؟

تزداد المسألة أهمية عندما يتعلق الأمر بعلامة واسعة الشهرة.

فنظام العلامات التجارية السعودي وقانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكلاهما مدرج ضمن الأنظمة السارية في المملكة، يقرران حماية للعلامات التجارية المشهورة وفق ضوابطهما.

وقد تضمنت المادة الرابعة من النظام الخليجي أحكاما خاصة بالعلامات المشهورة، ومعايير تقدير شهرتها، وحمايتها في بعض الأحوال حتى بالنسبة إلى السلع والخدمات غير المماثلة، عندما تتحقق الشروط المقررة.

ومن أبرز الاعتبارات التي يثيرها ذلك في سوق العطور مدى الاستفادة التجارية من شهرة العلامة، واحتمالات إحداث الربط بينها وبين المنتج المنافس، وما قد يترتب على ذلك من ضرر بمصالح مالك العلامة.

لكن ينبغي عدم الخلط بين هذه الحماية وبين افتراض أن مجرد ذكر العلامة المشهورة في أي إعلان يمثل تعديا تلقائيا.

فالنصوص السعودية والخليجية تتطلب تكييف الواقعة في ضوء شروط الحماية والتعدي، ولا تتضمن قاعدة عامة تجعل كل إشارة إلى منتج مشهور محظورة.

ومن وجهة نظري، فإن الإشكالية التي تستحق العناية القضائية والتنظيمية لا تقتصر على احتمال تضليل المستهلك بشأن مصدر العطر، وإنما تشمل أيضا مدى مشروعية توظيف القيمة التسويقية لعلامة الغير في بيع منتج منافس.

وهي مسألة ينبغي معالجتها دون تحويل حقوق العلامات التجارية إلى احتكار غير مباشر للروائح والخصائص العطرية التي لا تتمتع بحماية مستقلة.

سابعا: هل يختلف الحكم في المتاجر الإلكترونية والإعلانات الرقمية؟

نعم، وقد يكون الفرق مهما.

فقد نصت المادة الحادية عشرة من نظام التجارة الإلكترونية السعودي على حظر تضمين الإعلان الإلكتروني ادعاءات كاذبة أو مضللة، كما حظرت تضمينه شعارا أو علامة تجارية لا يملك موفر الخدمة حق استعمالها، أو علامة مقلدة.

وتزداد أهمية هذا النص بالنظر إلى انتشار العطور المستوحاة عبر المتاجر الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي.

فإذا استخدم التاجر شعار Dior أو صور عبوات Sauvage في إعلان لعطره الخاص دون سند مشروع، فقد يتعرض للمساءلة وفق نظام التجارة الإلكترونية، فضلا عن أحكام حماية الملكية الفكرية ذات العلاقة.

أما مجرد كتابة اسم المنتج الأصلي ضمن وصف مقارن، فتظل مسألة تحتاج إلى فحص طبيعة الاستعمال ومدى قيام حق قانوني يبرره، ولا يصح مساواتها آليا بكل استعمال غير مأذون به للشعار أو العلامة.

ويمنح نظام التجارة الإلكترونية وزارة التجارة صلاحيات تتعلق بإزالة الإعلان المخالف أو سحبه، كما يقرر جزاءات على مخالفات أحكامه وفق الضوابط النظامية.

ومن هنا، فإن استعمال أسماء العطور العالمية في الإعلانات الممولة، أو ضمن الكلمات التسويقية البارزة، أو في صور المنتجات، قد يثير إشكالات أكبر من مجرد ذكرها في حديث عارض مع المستهلك.

ثامنا: خمس حالات تكشف الفروق القانونية

لإيضاح المسألة عمليا، يمكن تصور الحالات الآتية:

الحالة الأولى: عطر مشابه دون أي إشارة إلى المنتج الأصلي

مصنع محلي ينتج عطرا برائحة قريبة من (سوفاج)، ويبيعه باسمه وتصميمه المستقلين، دون استعمال علامات ديور.

هذه الحالة أقرب إلى نطاق المنافسة المشروعة، متى لم تتضمن تعديا على براءة اختراع أو سر تجاري أو أي حق آخر محمي.

الحالة الثانية: عطر يحمل اسما مستقلا، ويكتب عليه (مستوحى من Sauvage)

هنا تكون المخاطر أعلى؛ لأن العلامة الأصلية أصبحت حاضرة على المنتج المنافس نفسه.

وقد ينشأ النزاع حول استعمال العلامة، أو خلق الربط التجاري بينها وبين المنتج، أو الاستفادة من شهرتها.

ولا تكفي عبارة (مستوحى من) بذاتها لحسم مشروعية ذلك الاستعمال.

الحالة الثالثة: متجر ينشر جدولا بعناوين (العطر الأصلي) و(البديل المطابق)

قد يمثل الجدول دليلا واضحا على استخدام العلامات الأصلية بوصفها أدوات لتسويق المنتجات البديلة.

وهذه الصورة قريبة من الإشكالية التي تناولتها قضية L’Oréal v. Bellure، مع ضرورة التمييز بين قواعد القانون الأوروبي والقانون السعودي.

الحالة الرابعة: عطر مستقل يحمل زجاجة شديدة الشبه بزجاجة العطر العالمي

حتى إذا لم يستخدم اسم العطر الأصلي، فقد تنشأ مسؤولية بسبب تقليد تصميم صناعي محمي أو عناصر مميزة محمية بوصفها علامات تجارية، بحسب الوقائع والحقوق القائمة.

الحالة الخامسة: بائع يسأله العميل عن عطر يشبه (سوفاج)

فيجيبه بأن لديه عطرا برائحة قريبة منه.

هذه الحالة تختلف عن طباعة اسم العلامة الأصلية على العبوة أو جعله محور حملة إعلانية.

ويمكن أن يكون هذا الاستعمال أقرب إلى الإشارة المرجعية لتوضيح خصائص المنتج، خاصة عندما يكون الحديث محددا ولا يوحي بوجود ارتباط تجاري أو ترخيص من صاحب العلامة.

ومع ذلك، فإن وقوعه في سياق البيع يستدعي تقييم ظروفه، ولا يمنحه حصانة مطلقة من أحكام العلامات التجارية.

تاسعا: كيف يمكن لشركات العطور المستوحاة تقليل المخاطر القانونية؟

لا أرى أن الحل يتمثل في حظر صناعة العطور المستوحاة بصورة عامة؛ لأن ذلك قد يؤدي عمليا إلى منح أصحاب المنتجات المشهورة احتكارا للخصائص العطرية يتجاوز نطاق الحقوق التي قررها المنظم.

وفي المقابل، لا يصح منح الشركات المنافسة حرية غير مقيدة في استغلال أسماء العطور الشهيرة وشعاراتها وتسويق منتجاتها من خلالها.

والتوازن يتحقق عبر عدد من الضوابط العملية:

أولا: تطوير المنتجات بصورة مستقلة ومشروعة، مع التأكد من عدم التعدي على براءات اختراع نافذة أو أسرار تجارية محمية.

ثانيا: بناء أسماء وعلامات تجارية مستقلة، وعدم جعل العلامة الأصلية جزءا من هوية المنتج المنافس.

ثالثا: تجنب تقليد الزجاجات والتغليف والعناصر البصرية التي قد تتمتع بحماية نظامية.

رابعا: الحذر من استخدام أسماء العطور العالمية وشعاراتها في الإعلانات الممولة أو صفحات بيع المنتجات، وعدم افتراض أن إضافة عبارة (مستوحى من) تعفي من المسؤولية.

خامسا: الاعتماد في التسويق على وصف الخصائص العطرية نفسها، مثل العائلة العطرية والمكونات البارزة وطابع الرائحة، بدلا من جعل شهرة العلامة الأخرى وسيلة أساسية للبيع.

فعلى سبيل المثال، قد تكون عبارة:

(عطر رجالي بطابع عطري خشبي، يجمع البرغموت والفلفل والأخشاب العطرية)

أقل إثارة لمخاطر التعدي على العلامات من عبارة:

(بديل سوفاج المطابق بنسبة 100%).

والأفضل أن تتمكن العلامة المحلية من بناء جمهورها اعتمادا على جودة منتجها وهويتها المستقلة، لا على القيمة التجارية لعلامات منافسيها.

عاشرا: هل تحتاج سوق العطور المستوحاة إلى تنظيم أو إرشادات أكثر وضوحا؟

أعتقد أن هذا المجال يستحق إصدار إرشادات تفسيرية متخصصة تتناول استعمال العلامات التجارية للغير في المقارنات والإعلانات، خصوصا في قطاعات العطور ومستحضرات التجميل والمنتجات الاستهلاكية.

فالمسألة ليست محصورة بالعطور، بل تمتد إلى المنتجات التي تسوق بوصفها بدائل لمنتجات شهيرة.

ومن المهم أن توضح الإرشادات الحدود بين ثلاثة أنواع من الاستعمال:

الأول، الاستعمال المرجعي الضروري الذي يهدف إلى تعريف المستهلك بمنتج معين دون استغلال غير مشروع لعلامته.

والثاني، الإعلان المقارن الذي يقدم معلومات موضوعية عن المنتجات المتنافسة، دون تضليل أو تعد على الحقوق المحمية.

والثالث، الاستعمال التسويقي الذي يجعل من العلامة المشهورة أداة لجذب العملاء إلى منتج منافس، مستفيدا من قيمتها التجارية بصورة قد تتجاوز حدود المنافسة النزيهة.

والفصل بين هذه الصور يحقق مصلحتين متوازنتين: حماية استثمارات أصحاب العلامات التجارية من جهة، وتمكين الشركات الناشئة والمستهلكين من الاستفادة من المنافسة والابتكار المشروع من جهة أخرى.

كما أن وضوح هذه الحدود سيحد من المنازعات الناشئة عن التفسيرات المتباينة لعبارات مثل (مستوحى من) و(بديل) و(مشابه) و(مطابق للرائحة).

الخاتمة: الرائحة قد تكون متاحة للمنافسة.. لكن اسم العطر ليس مباحا بالضرورة

إن إحدى أهم القواعد التي تكشف عنها العطور المستوحاة هي أن التشابه بين المنتجات لا يعني بالضرورة وقوع انتهاك لحقوق الملكية الفكرية.

فقد يتمكن مصنع من إنتاج رائحة تماثل رائحة عطر عالمي مشهور بصورة مشروعة، متى لم يتعد على حق حصري قائم.

لكن ذلك المصنع لا يكتسب، بمجرد مشروعية الرائحة، حقا مطلقا في استعمال اسم العطر الأصلي أو علامته التجارية لتسويق منتجه.

وهنا يتعين التمييز بين الحق في المنافسة عن طريق تطوير منتج مشابه، والحق في الاستفادة من شهرة المنتج الذي جرت محاكاته.

وفي تقديري، فإن الإشكالية القانونية الأهم ليست: هل يجوز إنتاج عطر يشبه (سوفاج)؟

بل هي:

هل يجوز أن تجعل من اسم (سوفاج) وسيلتك لإقناع المستهلك بشراء عطرك أنت؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن توجه إليه عناية المختصين بالملكية الفكرية، وأصحاب العلامات التجارية، والجهات المعنية بحماية السوق والمستهلك.

فليس كل عطر مشابه منتجا منتهكا، وليس كل استعمال لاسم عطر مشهور اعتداء على علامته.

لكن ما يجوز لك استلهامه في صناعة منتجك، لا يجوز لك بالضرورة استغلال شهرته في تسويقه.


استند هذا المقال إلى نظام العلامات التجارية السعودي، وقانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ونظام التجارة الإلكترونية، ولائحة حماية المعلومات التجارية السرية، والحكم الصادر عن محكمة العدل الأوروبية في القضية C-487/07 بتاريخ 18 يونيو 2009. والتحليل المتعلق بتطبيق هذه الأحكام على العطور المستوحاة هو قراءة قانونية، وليس تقريرا بوجود حكم قضائي سعودي يحسم جميع الصور المعروضة.