خطاب عدم انتهاك براءات الاختراع (FTO): هل يكفي تسجيل الدواء للسماح بتسويقه؟

قد تنفق شركة أدوية ملايين الريالات على تطوير مستحضر دوائي جنيس، وإجراء دراسات التكافؤ الحيوي، وتجهيز خطوط الإنتاج، والتعاقد مع الموردين، واستكمال المتطلبات التنظيمية لتسجيله في المملكة العربية السعودية، ثم تكتشف أن هناك براءة اختراع سارية تمنعها من تصنيعه أو تسويقه.

والأكثر تعقيدا أن يكون المستحضر الجنيس مختلفا عن الدواء المبتكر في بعض خصائصه، ومع ذلك يقع ضمن نطاق الحماية المقررة لإحدى براءات الاختراع المرتبطة به.

هنا تبرز أهمية دراسة حرية التصرف (Freedom to Operate – FTO)، وما يصدر بناء عليها من خطاب عدم انتهاك براءات الاختراع، بوصفه إحدى الأدوات القانونية المهمة في قطاع الصناعات الدوائية، وأحد المتطلبات التي اعتمدتها الهيئة العامة للغذاء والدواء عند تسجيل بعض المستحضرات الصيدلانية الجنيسة.

فما المقصود بهذه الدراسة؟ ومتى تطلبها الهيئة؟ وكيف يمكن لشركات الأدوية الاستفادة منها لتقليل المخاطر القانونية والتجارية؟

أولا: ما المقصود بحرية التصرف (FTO)؟

يقصد بحرية التصرف إجراء دراسة فنية وقانونية للتحقق من إمكانية تصنيع منتج أو استخدامه أو استيراده أو تسويقه في سوق جغرافي محدد، دون التعدي على حقوق براءات الاختراع المملوكة للغير.

وتختلف هذه الدراسة اختلافا جوهريا عن البحث في قابلية الاختراع للحصول على براءة.

فالبحث في قابلية الحصول على البراءة يجيب عن سؤال: هل ابتكاري جديد ويستحق الحماية؟

أما دراسة حرية التصرف فتجيب عن سؤال أكثر اتصالا بالنشاط التجاري: هل أستطيع استغلال هذا المنتج دون انتهاك حقوق براءات اختراع قائمة؟

وقد تتمكن الشركة من تطوير تركيبة دوائية مبتكرة والحصول على براءة اختراع بشأنها، لكنها لا تستطيع بالضرورة استغلال تلك التركيبة تجاريا إذا كان استغلالها يتطلب استخدام اختراع آخر لا يزال محميا ببراءة مملوكة للغير.

ذلك أن امتلاك براءة اختراع لا يمنح صاحبها، بذاته، حرية استغلال الاختراع إذا كان الاستغلال يتعدى على حقوق براءة أخرى.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في صناعة الأدوية، حيث قد يرتبط المستحضر الواحد بعدد من البراءات التي تحمي جوانب تقنية مختلفة منه.

ثانيا: متى تطلب هيئة الغذاء والدواء خطاب FTO؟

اعتمدت الهيئة العامة للغذاء والدواء، بالتعاون مع الهيئة السعودية للملكية الفكرية، آلية للتعامل مع براءات الاختراع عند تسجيل المستحضرات الصيدلانية الجنيسة، بدأ تطبيقها في الأول من يناير 2023، وصدرت نسختها الثانية في 8 أكتوبر 2025.

وبموجب هذه الآلية، عندما تتقدم شركة دوائية بطلب تسجيل مستحضر جنيس، وتوجد براءة اختراع في ملف المستحضر المبتكر لدى الهيئة، فإن الهيئة تطلب من الشركة تقديم خطاب عدم انتهاك براءة الاختراع (FTO Letter).

ويجب أن يصدر الخطاب من أحد وكلاء الملكية الفكرية المرخصين من الهيئة السعودية للملكية الفكرية، ممن يقدمون هذا النوع من الدراسات.

وقد حددت الآلية عددا من المتطلبات الأساسية:

  • تقديم خطاب عدم انتهاك براءة الاختراع خلال 60 يوم عمل من تاريخ طلب الهيئة.
  • إرفاق صورة من ترخيص وكيل الملكية الفكرية الصادر عن الهيئة السعودية للملكية الفكرية.
  • تضمين الخطاب اسم المستحضر الجنيس العلمي وتركيزه وشكله الصيدلاني.
  • تقديم إقرار مستقل من الشركة بأن مستحضرها لا ينتهك أيا من حقوق الملكية الفكرية المحمية في المملكة.

ويجب التمييز هنا بين حالتين: وجود براءة اختراع مقدمة ضمن ملف المستحضر المبتكر لدى الهيئة، وعدم وجودها.

فطلب خطاب FTO وفق الآلية يرتبط بوجود البراءة في الملف، ولا يعني ذلك أن كل مستحضر جنيس يتطلب بالضرورة تقديم الخطاب.

لكن عدم طلب الهيئة للخطاب لا يعني بالضرورة خلو المستحضر من مخاطر انتهاك براءات اختراع أخرى سارية في المملكة.

وهذا تمييز بالغ الأهمية يجب على إدارات الشؤون التنظيمية والشؤون القانونية في شركات الأدوية إدراكه.

ثالثا: لماذا لا يكفي البحث عن براءة المادة الفعالة؟

من أكثر الأخطاء التي قد تقع فيها شركات الأدوية افتراض أن انتهاء براءة الاختراع الأساسية للمادة الفعالة يعني انتهاء جميع الحقوق التي يمكن أن تعيق دخول المستحضر الجنيس إلى السوق.

فقد تكون البراءة الأصلية للمادة الفعالة قد انتهت، بينما لا تزال هناك براءات أخرى سارية تحمي جوانب تقنية مرتبطة بالمستحضر.

ومن أمثلة ذلك:

براءات المادة الفعالة: التي قد تحمي مركبا كيميائيا أو مادة فعالة بذاتها.

براءات الأملاح والأشكال البلورية: التي قد تحمي صورا محددة للمادة الدوائية، إذا استوفت شروط الحماية.

براءات التركيبات الصيدلانية: التي قد تتعلق بتركيبة معينة من المادة الفعالة والمواد المساعدة أو بنسب محددة من المكونات.

براءات أنظمة إيصال الدواء: مثل التقنيات المرتبطة بالتحرر الممتد أو المتحكم فيه للمادة الفعالة.

براءات طرق التصنيع: التي قد تحمي عمليات صناعية محددة لإنتاج المادة الفعالة أو المستحضر النهائي.

براءات التركيبات المركبة: التي قد تتعلق بجمع مواد فعالة معينة ضمن مستحضر واحد.

ولا تعني هذه الأمثلة أن كل جانب منها محمي حتما ببراءة في المملكة، وإنما يجب التحقق من وجود براءة ممنوحة وسارية، وتحديد نطاق مطالبات الحماية فيها.

ولنفترض أن شركة تعتزم تسجيل مستحضر جنيس يحتوي على مادة فعالة انتهت براءتها الأساسية، لكنها تستخدم تقنية للتحرر الممتد لا تزال محمية ببراءة اختراع سارية.

في هذه الحالة، قد يكون تصنيع المستحضر أو تسويقه تعديا على البراءة المتعلقة بتقنية التحرر الممتد، رغم انتهاء براءة المادة الفعالة، متى انطبقت مطالبات تلك البراءة على المنتج محل الدراسة.

وعليه، فإن الدراسة الجادة لا تقتصر على البحث عن اسم المادة الفعالة، بل تتطلب فهم المستحضر من الناحية العلمية وتحليل البراءات المرتبطة بمكوناته وخصائصه وعمليات تصنيعه.

رابعا: كيف تعد دراسة FTO بصورة قانونية صحيحة؟

لا ينبغي اختزال دراسة حرية التصرف في مجرد البحث عن أرقام البراءات، أو مطابقة اسم المستحضر الجنيس مع أسماء المستحضرات المبتكرة.

فالدراسة المهنية تتطلب الجمع بين المعرفة الصيدلانية والكيميائية والخبرة القانونية في تفسير براءات الاختراع.

وتبدأ بتحديد نطاق الدراسة: ماهية المنتج، وتركيبته، وشكله الصيدلاني، وتركيزه، وطريقة تصنيعه، والأنشطة المزمع ممارستها في المملكة.

ثم يجري البحث في البراءات ذات الصلة، والتحقق من وضعها القانوني، وما إذا كانت ممنوحة وسارية أو منتهية أو ساقطة أو محل إجراءات قد تؤثر في نطاق حمايتها.

وتأتي بعد ذلك المرحلة الأكثر أهمية، وهي تحليل مطالبات الحماية (Patent Claims Analysis).

فليست العبرة بمجرد التشابه بين المستحضر الجنيس والوصف الفني الوارد في وثيقة البراءة، وإنما بمدى دخول المستحضر أو طريقة تصنيعه ضمن نطاق المطالبات التي تحدد الحماية القانونية للاختراع.

ومن الأدوات المهمة في هذا التحليل إعداد جدول مقارنة بين كل مطالبة حماية ذات صلة والخصائص التقنية للمستحضر الجنيس، فيما يعرف بـ Claim Chart.

ومن خلال هذه المقارنة يمكن تحديد عناصر المطالبة التي تتحقق في المنتج، والعناصر التي لا تتحقق فيه، وتقدير المخاطر القانونية المحتملة.

كما ينبغي أن تميز الدراسة بين البراءات الممنوحة وطلبات البراءات التي لم يصدر قرار بمنحها بعد، مع مراعاة أن الطلبات المعلقة قد تتطور إلى حقوق ممنوحة لاحقا.

والنتيجة التي تنتهي إليها الدراسة ليست مجرد عبارة مقتضبة بعدم وجود انتهاك، وإنما رأي قانوني فني مسبب يستند إلى نطاق بحث واضح وتحليل موثق.

ومن المهم إدراك أن دراسة FTO، مهما بلغت جودتها، لا تقدم ضمانا مطلقا بعدم نشوء أي منازعة مستقبلية، وإنما تستهدف الوصول إلى تقييم مهني معقول ومدعوم بالأدلة للمخاطر القائمة في تاريخ إجرائها.

خامسا: تسجيل الدواء لا يعفي الشركة من المسؤولية عن انتهاك البراءات

تتضمن النسخة الثانية من آلية هيئة الغذاء والدواء حكما ذا أهمية قانونية خاصة.

فقد نصت على أن تسجيل المستحضر الجنيس بناء على خطاب عدم انتهاك البراءة وإقرار الشركة لا يعد موافقة من الهيئة على مضمون الخطاب الصادر عن وكيل الملكية الفكرية، ولا تتحمل الهيئة المسؤولية بناء على ذلك.

ومعنى ذلك أن قبول الخطاب لأغراض التسجيل لا يجعله حكما قضائيا بعدم الانتهاك، ولا يمنح الشركة حصانة من دعاوى أصحاب البراءات.

بل إن إقرار الشركة المقدم إلى الهيئة يتضمن تحملها المسؤولية الكاملة إذا كان مستحضرها متعديا، كليا أو جزئيا، على حقوق الملكية الفكرية المحمية في المملكة، وما قد ينشأ عن ذلك من دعاوى وتعويضات.

وتتضح خطورة هذا الالتزام عند الرجوع إلى المادة السابعة والأربعين من نظام براءات الاختراع والتصميمات التخطيطية للدارات المتكاملة والأصناف النباتية والنماذج الصناعية.

فقد حددت المادة صور استغلال الاختراع المحمي، ومنها تصنيع المنتج أو بيعه أو عرضه للبيع أو استخدامه أو تخزينه أو استيراده للأغراض المنصوص عليها في النظام، وكذلك استغلال العمليات الصناعية المحمية والمنتجات المتحصل عليها مباشرة منها.

وبالتالي، فإن المخاطر القانونية لا ترتبط بمرحلة البيع النهائي وحدها، وإنما قد تمتد إلى أنشطة أخرى في سلسلة إنتاج الدواء وتوريده.

كما تنص المادة الثامنة والأربعون على أحكام خاصة بعبء الإثبات في بعض المنازعات المتعلقة ببراءات العمليات الصناعية.

وهو ما يجعل التحقق من طريقة تصنيع المادة الفعالة أو المستحضر النهائي أمرا مهما، ولا سيما عند الاعتماد على موردين أو مصانع خارج المملكة.

ومن ثم، فإن قرار تسجيل المستحضر وتسويقه يجب أن يستند إلى تقييم مستقل للمخاطر القانونية، لا إلى مجرد حصول الشركة على الموافقة التنظيمية.

سادسا: هل تستطيع الشركة تسجيل الدواء قبل انتهاء براءة الاختراع؟

من الجوانب المهمة في النسخة الثانية من آلية الهيئة أنها أتاحت للشركة المسوقة للمستحضر الجنيس التقدم بطلب تسجيله قبل 24 شهرا من انتهاء البراءة، دون تقديم خطاب FTO، على ألا يتم تسجيل المستحضر إلا بعد انتهاء البراءة.

وهذا الترتيب يتيح لشركات الأدوية التخطيط المبكر لدخول السوق والاستعداد للإجراءات التنظيمية دون انتظار انتهاء فترة الحماية للبدء في طلب التسجيل.

لكن ينبغي الانتباه إلى أمرين.

الأول: أن السماح بتقديم طلب التسجيل قبل انتهاء البراءة لا يعني السماح تلقائيا بالتصنيع التجاري أو التسويق أو الاستيراد بالمخالفة للحقوق السارية.

الثاني: أن انتهاء البراءة المعنية لا يعني بالضرورة انتهاء جميع البراءات الأخرى التي قد تغطي المستحضر أو طريقة تصنيعه.

ولهذا، فإن الاستفادة من هذه المهلة تتطلب إعداد خريطة زمنية للبراءات ذات الصلة وتواريخ انتهائها، وربطها بمراحل تطوير المنتج وتصنيعه وتسجيله وطرحه في السوق.

وقد تكون هذه الخريطة أحد أهم المستندات التي تعتمد عليها الشركة عند التخطيط لإطلاق مستحضر جنيس.

سابعا: ماذا لو كشفت دراسة FTO وجود براءة تمنع تسويق المستحضر؟

لا تعني النتيجة السلبية لدراسة حرية التصرف بالضرورة التخلي عن المشروع الدوائي.

فالدراسة الجيدة ينبغي أن توضح طبيعة العائق القانوني والخيارات الممكنة للتعامل معه.

قد يكون الحل بتعديل التركيبة أو تقنية التصنيع بحيث لا تقع ضمن نطاق مطالبات البراءة، وهو ما يعرف بـ Design Around، شريطة التحقق من أن التعديل الجديد لا ينتهك براءات أخرى.

وقد يكون الحل بالحصول على ترخيص من مالك البراءة، أو التفاوض معه بشأن تصنيع المستحضر أو تسويقه بموجب اتفاقية ترخيص أو نقل تقنية.

وفي حالات أخرى قد تكشف الدراسة عن أسباب نظامية جدية للطعن في صحة البراءة أو نطاقها، وهو مسار يتطلب تقييما قانونيا مستقلا ولا يؤدي مجرد اتخاذه إلى زوال الحماية تلقائيا.

كما قد يكون تأجيل إطلاق المستحضر حتى انتهاء الحماية هو الخيار الأقل مخاطرة والأكثر جدوى من الناحية التجارية.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية لدراسة FTO؛ فهي لا تقتصر على تحديد العوائق، بل تساعد الشركة في اتخاذ قرار بشأن الاستثمار والتصنيع والترخيص وتوقيت دخول السوق.

ثامنا: ما الذي يجب على شركات الأدوية طلبه من مستشار الملكية الفكرية؟

من المهم أن تميز شركات الأدوية بين خطاب FTO المطلوب للهيئة وبين الدراسة التفصيلية التي يستند إليها هذا الخطاب.

فالخطاب التنظيمي له صياغة ومتطلبات محددة، أما الدراسة القانونية والفنية التي تدعمه فينبغي أن تكون أوسع نطاقا وأكثر تفصيلا بحسب طبيعة المستحضر ومخاطره.

وعند التعاقد على إعدادها، من المناسب أن تحدد الشركة بوضوح نطاق البحث، والبلدان المشمولة، والبراءات التي تمت مراجعتها، وتاريخ التحقق من وضعها القانوني، والمواد والمعلومات الفنية التي اعتمد عليها المستشار، والافتراضات والاستثناءات الواردة في الرأي.

وينبغي كذلك التحقق من أن الجهة التي ستصدر الخطاب مستوفية لمتطلبات الترخيص المحددة من الهيئة السعودية للملكية الفكرية.

وقد تحتاج الشركة إلى تحديث الدراسة إذا طرأ تغيير جوهري على التركيبة أو طريقة التصنيع أو المورد، أو ظهرت براءة جديدة ذات صلة قبل الإطلاق التجاري.

وفي مشروعات التصنيع المحلي ونقل التقنية، يجب ألا يقتصر التقييم على المستحضر النهائي؛ فقد تكون حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بعملية التصنيع أو التكنولوجيا المنقولة أكثر تأثيرا في جدوى المشروع من حقوق المادة الفعالة نفسها.

والأهم أن تكون مخرجات الدراسة قابلة للاستخدام عند اتخاذ القرار الاستثماري، وأن توضح مستوى المخاطر وأسبابها والبدائل المتاحة للتعامل معها.

تاسعا: التزام الشركات المبتكرة بحماية براءاتها

لا تقتصر آثار آلية FTO على شركات الأدوية الجنيسة؛ فهي تفرض كذلك مسؤوليات على الشركات صاحبة المستحضرات المبتكرة.

إذ يتعين على الشركة المبتكرة تقديم صورة من وثيقة براءة الاختراع الخاصة بمستحضرها والصادرة عن الهيئة السعودية للملكية الفكرية ضمن ملف التسجيل.

وإذا لم تكن وثيقة البراءة قد صدرت وقت تقديم الملف، فيجب تزويد الهيئة بها عند صدورها، مع تحمل الشركة تبعات التأخر في تقديمها.

كما عالجت الآلية وضع المستحضرات المبتكرة المسجلة التي تحميها براءات صادرة من الهيئة السعودية للملكية الفكرية أو من مكتب براءات الاختراع لمجلس التعاون الخليجي، وألزمت الشركات بتزويد الهيئة بوثائق البراءات ذات الصلة.

ومع ذلك، فإن تقديم وثيقة البراءة للهيئة لا ينقل إليها مسؤولية حماية حقوق مالكها.

فإذا ادعت الشركة المبتكرة أن مستحضرا جنيسا يتعدى على براءتها، فإن الآلية تحيلها إلى المحكمة التجارية، وتلتزم الهيئة بما يصدر من أحكام نهائية واجبة النفاذ من الجهات القضائية المختصة.

وهذا يؤكد ضرورة أن تتولى شركات الأدوية المبتكرة إدارة محافظ براءاتها ومراقبة المنافسين، وألا تعتمد على إجراءات تسجيل المستحضرات بوصفها بديلا عن وسائل حماية الحقوق وإنفاذها.

عاشرا: حرية التصرف يجب أن تسبق القرار الاستثماري

تتعامل بعض شركات الأدوية مع دراسة FTO باعتبارها متطلبا يظهر في المراحل الأخيرة من إجراءات تسجيل المستحضر.

غير أن هذا التوقيت قد يكون متأخرا للغاية.

فإذا اكتشفت الشركة وجود براءة مانعة بعد اعتماد التركيبة وإتمام الدراسات اللازمة والتعاقد على خطوط الإنتاج، فقد تواجه خسائر كان من الممكن تجنبها لو أجريت الدراسة في مرحلة مبكرة.

ولهذا، فإن الممارسة الأكثر حصافة هي إجراء تقييم أولي لحرية التصرف قبل اعتماد مشروع تطوير المستحضر، ثم تحديثه قبل الالتزام باستثمارات التصنيع والتوريد، ومراجعته مجددا عند الاقتراب من مرحلة التسجيل والإطلاق التجاري.

وتزداد أهمية هذا النهج للشركات السعودية التي تستثمر في توطين الصناعات الدوائية، أو تدخل في اتفاقيات نقل التقنية والتصنيع التعاقدي مع شركات دولية.

فوجود ترخيص تجاري لتصنيع دواء من شركة أجنبية لا يعني بالضرورة أن هذه الشركة تملك جميع الحقوق اللازمة لمنح حرية التصنيع أو التسويق في المملكة.

ولذلك يجب أن تتضمن العناية القانونية الواجبة مراجعة ملكية التقنية، ونطاق تراخيص البراءات، وحدود استخدامها الجغرافية، والالتزامات المتعلقة بالتعويض عن مطالبات الغير.

خاتمة: من متطلب تنظيمي إلى أداة لحماية الاستثمار الدوائي

يمثل اعتماد خطاب عدم انتهاك براءات الاختراع ضمن إجراءات تسجيل المستحضرات الصيدلانية الجنيسة في المملكة تطورا مهما في العلاقة بين التنظيم الدوائي وحماية الملكية الفكرية.

فهو يعزز مسؤولية شركات الأدوية في التحقق من حقوق الغير قبل دخول السوق، ويدفع نحو توظيف الخبرة القانونية والفنية في القرارات المتعلقة بتطوير المستحضرات وتصنيعها وتسويقها.

لكن القيمة الحقيقية لدراسة حرية التصرف لا تتحقق بمجرد الحصول على خطاب يقبل ضمن ملف التسجيل، بل في بناء تحليل مهني يمكن للشركة الاعتماد عليه لفهم المخاطر واتخاذ القرارات.

فالحصول على موافقة تسجيل الدواء يجيب عن سؤال يتعلق باستيفاء المتطلبات التنظيمية، أما دراسة FTO فتجيب عن سؤال مختلف: هل تملك الشركة الحرية القانونية اللازمة لاستغلال هذا الدواء في السوق المستهدف؟

والخلط بين السؤالين قد يحول استثمارا دوائيا واعدا إلى منازعة قضائية مكلفة.

أما إدراك الفرق بينهما منذ بداية المشروع، فيجعل الملكية الفكرية جزءا من التخطيط الاستثماري، لا مجرد عقبة تنظيمية تظهر في نهايته.