ثبوت التعدي على العلامة التجارية لا يعني بالضرورة ثبوت التعويض بالمبلغ الذي يطالب به مالكها. فقد ينجح صاحب العلامة في إثبات أن منافسا قلد علامته أو استعمل علامة مشابهة لها على نحو يضلل المستهلكين، ثم يواجه صعوبة أكبر في إثبات مقدار الضرر الذي لحق به، أو في إقناع المحكمة بأن المبلغ المطالب به يمثل تعويضا عادلا عن ذلك التعدي.
وتزداد هذه الصعوبة عندما لا يكون الضرر متمثلا في خسارة مالية مباشرة يمكن استخراجها من السجلات المحاسبية، وإنما في استغلال السمعة التجارية، أو تحويل العملاء، أو إضعاف تميز العلامة، أو تحقيق المعتدي أرباحا اعتمادا على الثقة التي بناها مالك العلامة عبر سنوات.
وهنا يثور سؤال جوهري: هل يقاس التعويض بما خسره مالك العلامة، أم بما كسبه المتعدي، أم بقيمة الانتفاع غير المشروع بالعلامة، أم بمجموع ذلك؟
الإجابة تقتضي التمييز بين صور الضرر، والأسس النظامية للتعويض، ووسائل تقديره وإثباته.
أولا: ماذا يقرر النظام السعودي بشأن التعويض؟
يعد قانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، المعمول به في المملكة، الأساس النظامي الخاص للمطالبة بالتعويض عن انتهاكات العلامات التجارية.
وقد نصت الفقرة الأولى من المادة الحادية والأربعين على حق صاحب العلامة في المطالبة بتعويض كاف لجبر الأضرار المباشرة الناشئة عن التعدي، بما في ذلك الأرباح التي جناها المدعى عليه.
ولم يترك النظام تقدير التعويض مجردا من المعايير، بل ألزم المحكمة بأن يكون من بين ما تراعيه قيمة السلعة أو الخدمة محل التعدي، وفقا لسعر التجزئة الذي يحدده المدعي، أو أي معيار مشروع آخر يطلب تطبيقه، أو عن طريق الخبرة.
والأهم أن الفقرة الثانية من المادة ذاتها أتاحت لصاحب الحق، بدلا من المطالبة بالتعويض الجابر للضرر بما في ذلك أرباح المتعدي، أن يطلب قبل الفصل في الدعوى الحكم له بتعويض مناسب وفق الحالات الواردة في النص.
وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ إذ يفتح أمام صاحب العلامة مسارين مختلفين في بناء المطالبة:
المسار الأول: التعويض الجابر للضرر، بما في ذلك الأرباح التي جناها المتعدي. وهو مسار يقوم على تحديد الآثار الاقتصادية الناتجة عن الانتهاك وإثباتها وتقدير قيمتها.
المسار الثاني: التعويض المناسب المنصوص عليه في الفقرة الثانية. وهو بديل نظامي يستحق دراسة مستقلة عند اختيار أساس المطالبة، خصوصا عندما يصعب تحديد الخسائر أو أرباح المتعدي بدقة.
ولا يعني المسار الثاني وجود مبلغ ثابت يستحق تلقائيا بمجرد ثبوت التعدي؛ فالنظام لم يحدد له تعويضا جزافيا بمقدار معين، كما أن المحكمة تبقى معنية بملاءمة التعويض لظروف الواقعة ومدى التعدي.
ويتكامل ذلك مع نظام المعاملات المدنية الذي قرر في المادتين السادسة والثلاثين والسابعة والثلاثين بعد المائة مبدأ جبر الضرر كاملا، بما يشمل ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب متى كان نتيجة طبيعية للفعل الضار، مع مراعاة أولوية النصوص النظامية الخاصة.
ومن ثم، فإن تقدير التعويض في انتهاكات العلامات التجارية ليس عملية حسابية مجردة، وإنما عملية قانونية واقتصادية تهدف إلى تقدير النتائج التي أحدثها الاستغلال غير المشروع لحق استئثاري ذي قيمة تجارية.
ثانيا: ما أنواع الأضرار التي يمكن المطالبة بالتعويض عنها؟
1. الخسارة الفعلية
وهي المبالغ التي خسرها مالك العلامة بصورة مباشرة نتيجة التعدي.
ومن أمثلتها اضطراره إلى تحمل نفقات إضافية لسحب منتجات مقلدة أو معالجة آثار الخلط لدى العملاء، أو خسارة عقود ثبت أن إلغاءها نشأ عن الانتهاك، أو تحمل تكاليف حملات تصحيحية لإزالة الالتباس الذي أحدثه المتعدي.
ويشترط أن تكون المصروفات أو الخسائر مرتبطة بالفعل الضار ارتباطا سببيا، وأن تكون معقولة ومثبتة، وألا تتكرر المطالبة بها تحت أكثر من وصف.
2. الكسب الفائت
يمثل الكسب الفائت أحد أهم صور الضرر في منازعات العلامات التجارية، وربما أصعبها إثباتا.
فإذا أدى تقليد العلامة إلى تحول جزء من العملاء إلى منتجات المتعدي، فقد يكون مالك العلامة قد فقد أرباحا كان من الممكن أن يحققها لولا وقوع الانتهاك.
غير أن مجرد إثبات أن المتعدي باع عشرة آلاف منتج لا يعني بالضرورة أن مالك العلامة كان سيبيع العدد نفسه.
ذلك أن تقدير الكسب الفائت يقتضي بحث عوامل عديدة؛ منها حجم الطلب الفعلي، والطاقة الإنتاجية، والبدائل المنافسة، ومدى تطابق شرائح العملاء، ومدى تأثير السعر والجودة والتوزيع في قرار الشراء.
والتعويض هنا ينبغي أن يرتبط بالربح الذي فات صاحب العلامة، لا بإجمالي قيمة المبيعات التي يدعي فقدانها.
فلو ثبت أن الشركة فقدت أربعة آلاف عملية بيع بسبب الانتهاك، وأن هامش المساهمة في الربح لكل عملية يبلغ ثمانين ريالا، فقد يكون مبلغ 320 ألف ريال أساسا أوليا لتقدير الكسب الفائت، مع إخضاع هذا التقدير للتحقق المحاسبي والسببي.
3. الأرباح التي جناها المتعدي
هذا النوع من أهم ما يميز نظام العلامات التجارية الخليجي؛ فقد أشار إليه صراحة في المادة الحادية والأربعين.
فقد لا يستطيع مالك العلامة إثبات انخفاض ملموس في مبيعاته، ومع ذلك يكون المتعدي قد حقق أرباحا نتيجة استعمال العلامة على نحو غير مشروع.
ويمكن في هذه الحالة الاستناد إلى أرباح المتعدي باعتبارها عنصرا في تقدير التعويض، بدلا من الاقتصار على الخسائر التي لحقت بالمالك.
غير أن هناك تمييزا جوهريا بين إيرادات المتعدي وأرباحه.
فإذا بلغت مبيعات المنتجات المخالفة مليوني ريال، فلا يعني ذلك أن أرباح المتعدي بلغت مليوني ريال؛ بل يتعين بحث تكاليف الإنتاج والتشغيل والتوزيع، وتحديد الربح المنسوب إلى النشاط المخالف، ومدى مساهمة استعمال العلامة في تحقيقه.
كما لا يصح افتراض أن جميع الأرباح تحققت بسبب العلامة وحدها، إذا كانت هناك عوامل مستقلة مؤثرة في المبيعات.
ويتعين كذلك تجنب التعويض المزدوج عن الضرر الاقتصادي نفسه عند الجمع بين أرباح المتعدي والكسب الفائت.
4. الإضرار بالسمعة والقيمة التجارية للعلامة
قد يكون هذا الضرر أشد أثرا من الخسارة المباشرة.
فالعلامة التجارية لا تقتصر وظيفتها على تمييز المنتج، بل تختزن ثقة المستهلكين وتوقعاتهم المتعلقة بالجودة والمصدر التجاري.
وحين توضع علامة مقلدة على منتجات رديئة، فقد ينسب المستهلك رداءة المنتج إلى صاحب العلامة الأصلية، أو يفقد ثقته فيها، أو يتردد في الشراء مستقبلا.
وقد يظهر الضرر في انخفاض معدل عودة العملاء، أو زيادة الشكاوى، أو ارتفاع تكاليف اكتساب العملاء، أو الحاجة إلى إنفاق إضافي لاستعادة الثقة.
وهنا ينبغي التمييز بين الضرر التجاري الذي يصيب سمعة المنشأة ويمكن ترجمة آثاره إلى خسائر اقتصادية، وبين الضرر المعنوي الشخصي الذي نظمه نظام المعاملات المدنية في المادة الثامنة والثلاثين بعد المائة، وربطه بما يصيب الشخص الطبيعي من أذى.
ولذلك فإن مطالبة الشركة عن تضرر سمعة علامتها تكون أقوى حين تبنى على آثار تجارية واقتصادية قابلة للإثبات، لا على افتراض إصابتها بأذى نفسي أو معنوي بالمعنى المقرر للشخص الطبيعي.
5. إضعاف تميز العلامة التجارية
قد ينتشر استعمال العلامة المقلدة إلى درجة تجعل المستهلكين يربطونها بأكثر من منشأة، فتفقد العلامة بعض قدرتها على الدلالة على مصدر تجاري واحد.
وهذا الإضعاف قد يقع حتى عندما لا يكون من السهل إثبات فقدان عملية بيع محددة.
غير أن إضعاف التميز لا يمثل في ذاته مبلغا تعويضيا مستقلا يستحق تلقائيا. بل ينبغي بيان أساس التعدي وما أحدثه من أثر تجاري، ثم تحديد الطريقة المشروعة المناسبة لتقديره.
ومن المؤشرات المفيدة في ذلك نتائج استطلاعات التباس المستهلكين، وتغير مستويات التعرف على العلامة، وتراجع قدرتها على تمييز المصدر، وتكاليف إعادة بناء هويتها في السوق.
6. تكاليف إزالة آثار الانتهاك والتقاضي
قد يتحمل صاحب العلامة نفقات جمع الأدلة، والخبرة الفنية والمحاسبية، والحملات التصحيحية، والإجراءات اللازمة لوقف التعدي.
وتختلف المعالجة القانونية لهذه المصروفات بحسب طبيعتها، وما إذا كانت تمثل ضررا مباشرا أم مصروفات تقاض.
وقد نصت المادة 164 من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية على الفصل في طلب التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية، بما في ذلك مصاريف التقاضي، مع مراعاة جسامة الضرر ومقدار المبلغ المحكوم به ومماطلة المحكوم عليه والعرف ورأي الخبير عند الاقتضاء.
ولا يعني ذلك أن كامل أتعاب المحاماة المتفق عليها مع العميل ستنتقل بالضرورة إلى الطرف الآخر؛ إذ يبقى تقدير المستحق منها خاضعا لظروف الدعوى والمعايير القضائية.
ثالثا: هل يمكن تقدير التعويض على أساس قيمة الترخيص باستعمال العلامة؟
من الأساليب المهمة في التقدير الاقتصادي ما يعرف بطريقة الإتاوة أو مقابل الترخيص الافتراضي (Reasonable Royalty).
وتقوم فكرتها على سؤال افتراضي: ما المقابل المالي الذي كان سيدفعه المتعدي لو طلب ترخيصا مشروعا لاستعمال العلامة في النشاط ذاته وخلال المدة ذاتها؟
فإذا كانت العلامة ترخص للغير عادة بمقابل يعادل 5% من صافي المبيعات المشمولة بالترخيص، وحقق المتعدي مبيعات ذات صلة بلغت مليوني ريال، فإن مقابل الترخيص الافتراضي قد يبلغ مائة ألف ريال.
وتزداد قوة هذا التقدير إذا استند إلى عقود ترخيص فعلية لذات العلامة، أو اتفاقيات امتياز تجاري، أو معاملات مقارنة لعلامات متقاربة في القوة والسوق والنشاط.
وقد تبنى التوجيه الأوروبي لإنفاذ حقوق الملكية الفكرية في المادة الثالثة عشرة إمكان الاستناد، في الحالات المناسبة، إلى مبلغ إجمالي يحتسب على أساس الإتاوات أو الرسوم التي كانت ستدفع لو حصل المعتدي على الترخيص.
أما في المملكة، فلا يصح تقديم مقابل الترخيص الافتراضي باعتباره حدا أدنى مقررا نظاما لكل انتهاك للعلامات التجارية. وإنما يمكن الاستفادة منه بوصفه معيارا اقتصاديا مشروعا مقترحا للتقدير بموجب المادة الحادية والأربعين، يخضع لقبول المحكمة ومدى ملاءمته للنزاع.
ويجب كذلك إدراك أن بعض العلامات لا يرخص أصحابها للغير باستعمالها أصلا، وأن افتراض الترخيص لا يعني أن مالك العلامة كان مستعدا لمنحه. ولذلك ينبغي التعامل مع هذا المعيار باعتباره أداة تقدير لا إجازة افتراضية للتعدي.
رابعا: هل تصلح قيمة العلامة التجارية نفسها أساسا للتعويض؟
من الأخطاء التي قد يقع فيها أصحاب العلامات التجارية الخلط بين قيمة العلامة بوصفها أصلا تجاريا، وقيمة الضرر الناتج عن انتهاكها.
فقد تكون القيمة الاقتصادية لعلامة تجارية خمسين مليون ريال، لكن التعدي المحدود عليها لا يعني أن صاحبها يستحق تعويضا بخمسين مليون ريال.
وقد يكون لدى الشركة إنفاق تراكمي بملايين الريالات على الإعلان والتسويق وبناء الهوية، غير أن هذا الإنفاق لا يمثل بأكمله خسارة ناشئة عن الانتهاك.
ومع ذلك، فإن قيمة العلامة وشهرتها واستثماراتها التسويقية قد تكون ذات أهمية في فهم جسامة التعدي والقيمة الاقتصادية التي استغلها المعتدي.
وتشير منهجيات تقييم أصول الملكية الفكرية المعروفة دوليا إلى أساليب قائمة على الدخل والسوق والتكلفة.
لكن استخدامها في منازعات التعويض ينبغي أن يركز على تحديد القيمة الاقتصادية التي تأثرت بفعل الانتهاك، لا مجرد تحديد قيمة الأصل قبل وقوعه.
فالعلامة قد تكون مرتفعة القيمة، بينما الضرر الناتج عن الاعتداء عليها محدود. وقد يحدث العكس عندما يكون الاستغلال المخالف واسع النطاق ويصيب قطاعا جوهريا من السوق.
خامسا: كيف يثبت مالك العلامة مبلغ التعويض أمام المحكمة؟
في تقديري، لا تبدأ دعوى التعويض الجيدة بكتابة رقم المطالبة، وإنما ببناء فرضية اقتصادية قابلة للاختبار.
فالسؤال الذي ينبغي أن يوجه عمل المحامي والخبير معا هو:
كيف كان سيكون الوضع الاقتصادي لصاحب العلامة لو لم يقع التعدي؟ وما الفرق بين ذلك الوضع والواقع الذي تحقق فعلا؟
وللإجابة عن هذا السؤال ينبغي تحليل عدة عناصر مترابطة.
أولها: نطاق الانتهاك. وذلك بتحديد تاريخ بدايته ونهايته، ومناطق انتشاره، والمنتجات والخدمات التي شملها، وقنوات البيع والتسويق التي استخدمت فيها العلامة.
ثانيها: حجم الاستغلال التجاري. ويشمل عدد الوحدات المباعة أو المعروضة، وإجمالي الإيرادات، وحجم المخزون، وطلبات التوريد، والمبيعات الإلكترونية، والبيانات المتعلقة بالموزعين.
ثالثها: الأثر في نشاط صاحب العلامة. وذلك بمقارنة المبيعات والأرباح قبل الانتهاك وأثناءه وبعد توقفه، وتحليل الشكاوى والطلبات الملغاة والتحولات في سلوك العملاء.
رابعها: عزل الأسباب الأخرى. فقد تتراجع المبيعات نتيجة ارتفاع الأسعار أو تغير السوق أو دخول منافسين جدد أو ضعف التوزيع. ومن الخطأ نسبة كل انخفاض إلى تقليد العلامة دون تحليل هذه العوامل.
خامسها: اختيار معيار التقدير. فقد يكون الكسب الفائت هو الأنسب في حالة، وأرباح المتعدي في حالة ثانية، ومقابل الترخيص الافتراضي مؤشرا أكثر فائدة في حالة ثالثة، أو يكون طلب التعويض المناسب بموجب المادة 41/2 أولى بالنظر.
ولهذا فإن التقرير المحاسبي الذي يكتفي بسرد أرقام الإيرادات أو إثبات انخفاض الأرباح لا يكون بالضرورة تقريرا صالحا لإثبات التعويض. بل يجب أن يوضح العلاقة السببية، ومنهج التقدير، ومصادر البيانات، والافتراضات المستخدمة، والحدود التي تؤثر في موثوقية النتيجة.
سادسا: ماذا لو كانت بيانات المبيعات والأرباح في حوزة المتعدي؟
هذه من أهم المشكلات العملية في دعاوى العلامات التجارية.
فصاحب العلامة يستطيع غالبا إثبات استعمال العلامة المقلدة من خلال عينات المنتجات والإعلانات والمواقع الإلكترونية، لكنه لا يملك الوصول المباشر إلى دفاتر مبيعات المتعدي أو سجلات المخزون أو حساباته.
غير أن النظام يوفر أدوات مهمة لمعالجة ذلك.
فالمادة 41/3 من نظام العلامات التجارية تجيز للمحكمة ضبط السلع والأدلة المستندية المتعلقة بالتعدي، وإلزام المتعدي بتقديم معلومات عن المشاركين في إنتاج السلع أو توزيعها وقنوات التوزيع.
كما تجيز المادة 40 اتخاذ إجراءات تحفظية لحفظ الأدلة والحجز على الأشياء والعوائد المرتبطة بالتعدي، وفق شروطها وضماناتها ومواعيدها.
ومن جهة أخرى، تسمح المادة 36 من نظام الإثبات، في الدعاوى التجارية ووفق ضوابطها، بطلب تقديم محررات ذات صلة بالدعوى، مع مراعاة القيود المتعلقة بالسرية والأسرار التجارية.
ويجوز للمحكمة اعتبار امتناع الخصم عن تقديم المحرر الذي أمرت به قرينة، بحسب الظروف.
ومن ثم، فإن عدم امتلاك صاحب العلامة بيانات المبيعات لا يبرر بالضرورة الاكتفاء بتعويض رمزي أو العدول عن المطالبة المالية؛ بل ينبغي دراسة وسائل الحصول على المعلومات اللازمة للتقدير، وطلب ندب خبير عندما تكون طبيعة النزاع تستدعي ذلك.
وهنا تظهر أهمية صياغة طلبات الإثبات بدقة، بحيث تحدد السجلات المطلوبة والفترة الزمنية ذات الصلة والوقائع المراد إثباتها، بدلا من طلب الاطلاع على جميع حسابات الخصم بصورة مفتوحة وغير منضبطة.
سابعا: ماذا نستفيد من القضاء السعودي؟
تظهر أهمية الفصل بين إثبات الانتهاك وإثبات التعويض في حكم صادر عن الدائرة التاسعة عشرة بالمحكمة التجارية بالرياض لعام 1445هـ.
فقد طالبت شركة مطاعم بتعويض قدره خمسة ملايين ريال عن استعمال علامة تجارية مشابهة لعلامتها، واستندت إلى ما ذكرته من تراجع المبيعات وتحول العملاء والخسائر المالية.
وانتهت المحكمة إلى ثبوت التعدي والتشابه المضلل، وحكمت بمنع الاعتداء على العلامة، لكنها لم تقبل طلب التعويض في تلك الدعوى، مع الإشارة إلى إمكان المطالبة به في دعوى مستقلة بعد ثبوت التعدي، وفقا لما ورد في أسباب الحكم.
وهذا حكم ابتدائي منشور لا يصح تعميم معالجته الإجرائية على جميع المنازعات، لكنه يكشف عن مسألة عملية مهمة: قوة الأدلة المتعلقة بالتقليد لا تغني عن بناء مطالبة تعويضية مستقلة في أسبابها وتقديرها وإثباتها.
ولذلك ينبغي للمحامي، عند إعداد دعوى الانتهاك، ألا يتعامل مع التعويض باعتباره طلبا تابعا تترك قيمته للتقدير المجرد، بل باعتباره جزءا من النزاع يستحق إعدادا فنيا ومحاسبيا منذ البداية، مع مراعاة القواعد الإجرائية المطبقة على الدعوى.
ثامنا: ماذا تقول التجارب القانونية المقارنة؟
تقدم الأنظمة المقارنة نماذج مفيدة لفهم طرق التقدير، دون أن يعني ذلك إمكان نقل أحكامها إلى القضاء السعودي دون سند نظامي.
ففي الولايات المتحدة، تنظم المادة 1117 من قانون العلامات التجارية المعروف بقانون لانهام استرداد أرباح المتعدي وتعويض الضرر وتكاليف الدعوى، مع أحكام خاصة في حالات التقليد والعلامات المزيفة، بما في ذلك التعويضات النظامية المحددة بنطاقات مالية وفق شروط معينة.
أما التوجيه الأوروبي رقم 2004/48/EC فقد تبنى في المادة 13 منه منهجا يراعي النتائج الاقتصادية السلبية، بما فيها الأرباح الفائتة، والمكاسب غير المشروعة للمعتدي، وبعض عناصر الضرر غير الاقتصادي عند الاقتضاء، كما أتاح طريقة بديلة قائمة على مقابل الترخيص الافتراضي.
وتقرر المادة 45 من اتفاقية تريبس ضرورة تمكين السلطات القضائية من الأمر بتعويض كاف عن الضرر في الأحوال التي تحددها، مع إمكان الحكم بالمصروفات المناسبة، بما فيها أتعاب المحاماة.
ويمكن استخلاص مبدأ مهم من هذه المقارنات: صعوبة قياس الضرر الاقتصادي الناتج عن انتهاك حق من حقوق الملكية الفكرية لا تعني انعدام قيمته، وإنما تستدعي استعمال أدوات تقدير ملائمة لطبيعة الحق المعتدى عليه.
لكن ينبغي التمييز دائما بين وسيلة التقدير الاقتصادي وبين الحق النظامي في المطالبة؛ فليست كل طريقة معروفة في القضاء المقارن أساسا مستقلا للتعويض في المملكة.
تاسعا: كيف تصاغ مطالبة تعويضية مقنعة؟
المطالبة الأقوى ليست بالضرورة الأعلى مبلغا، بل الأكثر قدرة على تفسير المبلغ المطلوب.
فإذا طالب مالك علامة تجارية بمليوني ريال، ينبغي أن يستطيع بيان الأساس النظامي للمطالبة، ووقائع التعدي التي يستند إليها، والفترة الزمنية التي يغطيها التعويض، وطريقة احتساب كل عنصر مالي، والأدلة التي تربط هذا العنصر بالانتهاك.
وإذا استند إلى أرباح المتعدي، فينبغي أن يبين كيف يمكن تحديد تلك الأرباح، وما المستندات اللازمة لذلك، وما علاقة الأرباح بالفعل المخالف.
وإذا استند إلى الكسب الفائت، فينبغي أن يوضح المبيعات التي كان من الممكن تحقيقها، والربح المتوقع منها، والعوامل التي تدعم نسبة خسارتها إلى التعدي.
وإذا طالب بالتعويض عن الإضرار بسمعة العلامة، فعليه تحويل الوصف العام للضرر إلى وقائع ومؤشرات تجارية قابلة للفحص.
أما إذا اختار المطالبة بالتعويض المناسب المنصوص عليه في المادة 41/2، فمن المهم أن يقدم للمحكمة عناصر موضوعية تساعدها على تحديد ما يعد مناسبا، مثل جسامة الانتهاك، ومدته، وانتشاره، وقصد المتعدي، وطبيعة المنتجات، ومدى شهرة العلامة، وحجم الاستغلال التجاري المثبت، دون افتراض أن هذه العناصر تنتج تلقائيا قيمة مالية معينة.
ومن المناسب في المنازعات المعقدة تقديم تقرير خبرة يشتمل على أكثر من سيناريو تقديري، يبين في كل منها الفرضيات ومصادر البيانات ومواطن عدم اليقين، مع تجنب جمع مبالغ تتعلق بالضرر نفسه بصورة تؤدي إلى ازدواج التعويض.
أخيرا: قيمة الانتهاك ليست دائما قيمة ما فقدته الشركة من مبيعات
تنبع خصوصية العلامات التجارية من أن المعتدي لا يستعمل مجرد اسم أو شعار، بل قد يستغل ثقة السوق التي اكتسبها ذلك الاسم أو الشعار بصورة تراكمية.
وقد يستطيع صاحب العلامة إثبات هذا الاستغلال قبل أن يستطيع تحديد جميع آثاره المالية.
ومن هنا تأتي أهمية المادة الحادية والأربعين من نظام العلامات التجارية؛ فهي لا تقصر النظر على الخسائر المحاسبية الظاهرة، وإنما تتيح مراعاة أرباح المتعدي وقيمة السلع أو الخدمات ووسائل التقدير المشروعة، كما تقرر خيارا بديلا لطلب التعويض المناسب.
والتحدي الحقيقي أمام المحامي المتخصص في منازعات العلامات التجارية ليس مجرد إثبات أن موكله تعرض لانتهاك، بل تحويل الوقائع الاقتصادية لذلك الانتهاك إلى مطالبة مالية واضحة الأساس، منضبطة الحساب، ومسنودة بالأدلة.
فالتعويض العادل لا ينبغي أن يكون مجرد رقم يختاره صاحب العلامة على أساس شعوره بحجم الاعتداء، ولا أن يصبح مستحيلا لمجرد صعوبة حصر كل ريال خسره.
بل يجب أن يقوم على فهم القيمة التجارية للحق المعتدى عليه، وطبيعة الاستغلال المخالف، والضرر المترتب عليه، والأدوات التي يتيحها النظام لإثباته وتقديره.
فليس كل تعد ثابت تعويضا ثابت المقدار، وليس كل ضرر يصعب حسابه ضررا لا يمكن التعويض عنه.
المراجع النظامية والقضائية
- قانون (نظام) العلامات التجارية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبخاصة المواد 17 و40 و41.
- نظام المعاملات المدنية، المواد 136 إلى 139.
- نظام الإثبات، المواد 34 إلى 37.
- الحكم رقم 4531094121 للمحكمة التجارية بالرياض.
- المادة 13 من التوجيه الأوروبي لإنفاذ حقوق الملكية الفكرية.
- المادة 1117 من قانون العلامات التجارية الأمريكي.
- المادة 45 من اتفاقية تريبس.






